أم سعد
فلسطينغسان كنفانيرواية


ولا يكفي للمرأة أن تلد لتصير أما. فأم سعد، رغم بساطتها ورائحة الريف المنبعثة من حضورها تأبى الخنوع والتباكي على حالها، فولدت أبناء فدائيين وربت سعد على ألا يوقع! فالكل وقع الأوراق بطريقة أو بأخرى خوف الحبس، لكن الحبوس أنواع يا ابن العم!
الجميل في روايات غسان كنفاني أنها متكاملة مكملة بعضها البعض، فلقد قدم الشخصية الفلسطينية في كل حالاتها متماشيا مع تطور القضية. فهو الطفل المشرد مع عائلته من يافا إلى صور في أرض البرتقال الحزين، إلى الرجل المهاجر تحت لهيب الجحيم في رجال تحت الشمس، إلى الباحث عن هويته وفلذة كبده في عائد إلى حيفا بعد النكسة.. ولأن المرأة الفلسطينية هي "الشعب والمدرسة" فكان لابد لرائد الأدب الفلسطيني أن يخصص لها رواية (بعد أن رسم شخصيتها أول مرة ضمن مجموعته القصصية عن الرجال والبنادق) ليظهر من خلالها المثال الأوحد الذي يجب أن تكون عليه (وهي كذلك) النساء الولادات الصامدات المقاومات من خلال شخصية أم سعد.
"إنها سيدة في الأربعين، كما يبدو لي، قوية كما لا يستطيع الصخر، صبورة كما لا يطيق الصبر، تقطع أيام الأسبوع جيئة وذهابا، تعيش عمرها عشر مرات في التعب والعمل كي تنزع لقمتها النظيفة، ولقم أولادها." ص. ٢٣
وإن كانت هذه الشخصية حقيقية تعرف عليها كنفاني حق المعرفة وتعلم منها الكثير كما جاء في مقدمته، فنحن أيضا، في خضم العدوان المستعر على غزة، تعرفنا على نماذج متكررة "لأم سعد" وتعلمنا منهن دروسا يومية في الثبات والصبر والتضحية وخصوصا الفخر بالابن الحامل للرشاش. ف"الثورة جزء لا ينفصم عن الخبز والماء وأكف الكدح ونبض القلب." ص ٩.
ولا يكفي للمرأة أن تلد لتصير أما. فأم سعد، رغم بساطتها ورائحة الريف المنبعثة من حضورها تأبى الخنوع والتباكي على حالها، فولدت أبناء فدائيين وربت سعد على ألا يوقع! فالكل وقع الأوراق بطريقة أو بأخرى خوف الحبس، لكن الحبوس أنواع يا ابن العم!
واهتز الجبل أمامي، ثمة دموع عميقة أخذت تشق طريقها إلى فوق. لقد رأيت أناسا كثيرين يبكون. رأيت دموعا في عيون لا حصر لها، دموع الخيبة واليأس والسقوط. الحزن والمأساة والتصدع. رأيت دموع الوجد والتوسل. الرفض الكسيح والغضب المهيض الجناح. دموع الندم والتعب. الاشتياق والجوع والحب. ولكنها أبدا، أبدا، لم تكن مثل دموع أم سعد: لقد جاءت مثلما تتفجر الأرض بالنبع مثل أول الأبد، مثلما يستل السيف من غمده الصامت، ووقفت هناك على بعد لحظة واحدة من بريق العين الصامدة" ص. ٣٠
فهذه المرأة، التي "تخلف وفلسطين تأخذ"، وعاشت اللجوء ووحل المخيم وعانت الفقر والاستغلال تحمل دوما في صرتها عود دالية يابس لا بد أن يعطي عنبا ولو بعد حين. فها هي تنتظر العودة منذ ٢٠ سنة؛ ٢٠ سنة عاشتها في الخيمة، لكن سعد يرى أن مشاكل المخيم ستنتهي بانتهاء المخيم. فكل ما يعانيه الفلسطيني في الشتات أو في الداخل سببه الاحتلال ولزوال الاحتلال يوجد طريق تمهده البندقية: "ما فش حد بنام بصحى بلاقي وطن بستناه".
وفي تساؤلها "إذا لم يذهب سعد؟ فمن سيذهب؟" تأكيد على جدوى المقاومة وأن "فلسطين ليست استعادة الذكريات، بل صناعة المستقبل".
وهذه ليست مجرد كلمات أدبية، ففي وثائقي الجزيرة ٣٦٠ "يوميات مقاتل من غزة"، الصادر في ١٧ مارس ٢٠٢٤، نرى اعتزاز والدة المجاهد محمد النجار بانخراطه في صفوف المقاومة قائلة:" إذا أنا خبيت إبني، وهذي خبت ابنها، مين بدو يجاهد في فلسطين؟".
