عن الرجال والبنادق

فلسطينمجموعة قصصيةغسان كنفاني

9/16/20251 min read

لم يغفل غسان كنفاني في هذه المجموعة عن الجزئيات اليومية، حتى "رائحة المخيمات بتعاستها وصمودها العريق، ببؤسها وآمالها"، أو تفاصيل النضال وإنسانية أصحابه حين ينهزمون أمام قلعة محصنة، لكن "رأسمال المرتينة لحظة شجاعة". فالواقعية ليست وسيلة تخدم قصصه، بل إن القصص واقعية بالأساس، ولغة الكاتب في سهلها الممتنع لا تتصنع الفجيعة، لا مكان فيها للزوائد، بدليل ما يفترض أن يكون رواية مستثمرة، يجعلها قصة قصيرة، لأن "الأمور تختلط فتجعل اللغة عبثا محضا".

في عن الرجال والبنادق، تناول غسان كنفاني بانسيابية عدة مراحل من عمر النضال كما عايشه. ابتدءها بمدخل اعتبره "خارجا عن الموضوع" تناول فيه الجانب المربح من القضية كما يحترفه البعض إعلاميا و ختمها بقصة "أم سعد" التي خصص لها رواية تحمل نفس الاسم فيما بعد.

و بين اللوحتين، رسم "الأفق الذي أشرق منه الرجال والبنادق"، وهو الذي خلد التاريخ مقولته "على هذه الأرض متسع للجميع، إلا لنا. فامتشقوا البنادق". فالسلاح لم يكن يوما للعنتريات بل للدفاع عن الأرض في وجه المعتدي. وأدرج في القصص القصيرة التسع كل ما يعول عليه لإتمام اللوحة الناقصة : التحرير!

فيعول على الرجال، على اختلاف أعمارهم وإن اختلفت القرية حول مدى نبلهم، شهامتهم أو شقاوتهم. فهم في الأصل "رجال شرفاء" "طيبون" (حتى "الحاج عباس" تاجر التبغ الذي "يعطيك لحم رقبته إن كنت جائعا"). يجمعهم حب السلاح كما حب البلاد.

"بين الأربعة كانت المرتينة العتيقة تقف على كعبها بين كفي "أبو الحسن" كأنها عجوز خامسة، يتدلى حبل الليف من تحت فوهتها فتبدو مترهلة، ولكنها كانت أليفة ودافئة وتبعث على اطمئنان غامض" ص. ٦٨

يعول على "صغير" ذو ١٧ عاما، شجاع عنيد يستجدي بندقية هنا و هناك ليشارك في الحرب، لا "لقلة رجال في صفد" لكن لأنها "الثورة" و "لا تسأل المقاتل لماذا يقاتل؟ كأنك تسأل رجلا لماذا أنت ذكر".

"لكن من قال أن السماء تمطر البنادق كما أمطرت منا وسلوى؟" فالإنجليز جعلوا السلاح شحيحا، يتفننون في مصادرته، في حين يغمضون أعينهم منى تعلق الأمر باليهود. فكيف كان الإنجليز يكتشفون عندنا خراطيش الصيد، ولا يكتشفون عندهم كل تلك الأسلحة؟...ماذا يفعلون هناك؟ المستر "برهم" وحده هو الذي يعرف، يركبون مدفعا؟ يحفرون خندقا؟ يدفنون رشاشات؟ لا يستطيع أحد أن يقول... ولكن إذا حاولنا الذهاب إلى هناك، لنرى ماذا فعلوا، فسوف نجد إنكليزيا مسلحا وراء كل حجر، و انكليزيا مساحا آخر أمامه يقولان : غوباك! إنه قتال غير شريف... كأنك تباطح بيديك العاريتين سيارة مصفحة" ص. ٥١-٥٢

يعول على الصغير في المخيم، زمن الاشتباك المستمر حيث القتال من أجل البقاء - باختطاف رأس ملفوف أو برتقالة وسط الوحل أو انتزاع خمس ليرات من تحت حذاء شرطي والهرب- ولو لم تطلق فيه رصاصة واحدة، أكبر فضيلة.

"إن العالم وقتئذ يقف على رأسه، لا أحد يطالبه بالفضيلة.. سيبدو مضحكا من يفعل... أن تعيش كيفما كان وبأية وسيلة هو انتصار مرموق للفضيلة. حسنا، حسن يموت المرء تموت الفضيلة أيضا، أليس كذلك؟ إذن دعنا نتفق بأنه في زمن الاشتباك يكون من مهمتك أن تحقق الفضيلة الأولى، أي أن تحتفظ بنفسك حيا. وفيما عدا ذلك يأتي ثانيا، ولأنك في اشتباك مستمر فإنه لا يوجد "ثانيا". أنت دائما لا تنتهي من "أولا". "ص. ١٠٤

ويعول على جيل لا يرى في "مفتاح" مجرد قطعة معدنية كبيرة بل يدخل عليها "ال" التي تعيد له دفئه ومعناه وترى فيه "فأسا".

" قطعة حديد؟ هكذا كان يراها كثيرون، يبدو أن شقيقتي لم تجد مكانا تضعه فيه فدقت له مسمارين وعلقته نائما على الحائط فوق الراديو مباشرة، كان مفتاحا ضخما وجميلا وغريبا بعض الشيء، ولكنه بالنسبة لضيوفنا، كان مجرد مفتاح ضخم وجميل وغريب... مرت فوقه رياح عشرين سنة وراكمت عليه غبارها وصدأها، ولكنه ظل هناك. كان جزءا من حائطنا الجديد، وأذكر مرة أن شقيقتي انتزعته مرة لتنفض عنه الغبار فبدت الغرفة فورا مبتورة وباردة ومهجورة، وقد اتفقنا، أنا وشقيقتي، على هذه الحقيقة بمجرد تبادل النظر" ص. ١١٩

ويعول على نساء مثل "أم سعد" تدفع بابنها ليتلحق ب "الشباب" "فالذين يذهبون للمعسكر خلقوا منذ البدء فدائيين" و ترجو لو يمنحوه رشاشا.

وهنا، تلقائيا، تدق سمعي أنشودة من الأرشيف تقول :

"يمه ويا يمه هاتي الرشاش

طلبتني الجنة من الصبح ماشي

قال لي يمه مشرق على الحراشي

قلت لها مغرب ع فلسطينا"

كعادته، لم يغفل غسان كنفاني في هذه المجموعة عن الجزئيات اليومية، حتى "رائحة المخيمات بتعاستها وصمودها العريق، ببؤسها وآمالها"، أو تفاصيل النضال وإنسانية أصحابه حين ينهزمون أمام قلعة محصنة، لكن "رأسمال المرتينة لحظة شجاعة". فالواقعية ليست وسيلة تخدم قصصه، بل إن القصص واقعية بالأساس، ولغة الكاتب في سهلها الممتنع لا تتصنع الفجيعة، لا مكان فيها للزوائد، بدليل ما يفترض أن يكون رواية مستثمرة، يجعلها قصة قصيرة، لأن "الأمور تختلط فتجعل اللغة عبثا محضا".

أكثر شفافية وعاطفة من "عالم ليس لنا"، مع أنني مع الرأي الذي يرى في مطالعة كل أعمال غسان كنفاني حتى غير المرتبطة بالقضية الفلسطينية، واجبا. ففي ذلك بصقة في وجه غولدا مايير التي ظنت أنها بقتله قد دفنته!

Related Stories