العرش والكرسي
تأملات


إن الانتباه لمواقع النجوم في الكتاب، وهي الفواصل بين الآيات من مفاتيح تأويل القرآن وفهم آيات الكتاب كله
{فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم} نلاحظ توصيف القرآن (إنه) كتكملة لفكرة (المواقع) على أنه (قسم عظيم)
فالقرآن هو قوانين لأحداث موضوعية، والموضوع الواحد جاء في عدة آيات، أي أنه (قُـسم) لعدة (مواقع)، وكل آية تحمل فكرة متكاملة
{كما أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين}
جاء في بحث سابق أن التعضية قسمة ما لا ينقسم. وهذا مرفوض في فهم القرآن لأن الآية القرآنية تحمل فكرة مستقلة (مثال آية المداينة) أو فقرة من موضوع كامل (مثال مرحلة من مراحل الخلق)
وبعد ترتيلها (في رتل واحد، نسق واحد) تخرج الموضوع الكلي كاملا
فالتنجيم في آية المن والسلوى أفاد المعرفة والإدراك (بحث التنزيل)
الفجر
يعاد نفس القسم في سورة الفجر
{والفجر وليال عشر والشفع والوتر واليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر}
سمي العقل (حجرا) بكسر الحاء : لأنه يمنع (يحجر) على الإنسان تعاطي ما لا يليق فعلا أو قولا
فذو الحجر هو العاقل الذي يفقه الأمور
والقسم في الآية موجه للفئة العاقلة التي تتفقه وتتفكر (تاء الجهد الدخيلة على فعل فكر : فك+كر = تكرار الفك والتحليل)
ربما من الناحية البلاغية كان يمكن صياغة وقراءة (والفجر وليال عشر والشفع والوتر) في جملة واحدة دون أن يكون لانعدام الفواصل أي تأثير عن المعنى العام. لكنها جاءت في ثلاث آيات منفصلة. مما يؤيد فكرة وحدة الموضوع
تخبرنا الفيزياء أن الكون الحالي جديد
{فاطر السماوات والأرض}
كان له بداية
{بديع السماوات والأرض}
نشأ من تمدد سريع من حالة كثافة و حرارة شديدتين
وتلاحم كبير لا يميز بين السماء والأرض
{أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حيا أفلا يؤمنون}
انطلاقا من نقطة متناهية الصغر (فتق لرتق)
ما يسمى علميا ب(الانفجار العظيم)
{والفجر}
ليس انفجارا في الفضاء بل انفجار للفضاء
تلى هاته النشأة حقبة "العصور المظلمة" قبل تشكل النجوم الأولى
{الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور}
فالظلام سابق للنور وسابق لتكون الأجرام. إذ عمت العتمة الكون لحقب طويلة وعاشت المادة فترة الظلام بانتظار تكون النجوم وشفافية الكون للضوء
{إن ربكم الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}
فاليل في القرآن (كما السنة واليوم) عبارة عن وحدة زمنية، سبق تكون الشمس والقمر والنجوم (ذكر عناصر تالية في آية الخلق)
{وهو الذي خلق اليل والنهار والشمس والقمر مل في فلك يسبحون}
وحدد العلم الفترات التي تلت الانفجار العظيم في عشر مراحل سميت ب (العصور المظلمة Dark Ages)
{وليال عشر}
وهي :
١. عصر الانفصال
٢. بداية الظلام
٣.تكون الهياكل الأولية
٤.تجمع الغاز في الهالات
٥. الضغط والحرارة
٦. انخفاض درجة الحرارة الكونية
٧. ظهور النجوم الأولى
٨. عصر إعادة التأين
٩. تكون المجرات المبكرة
١٠. تطور الكون المضيء
الهيدروجين
ويبرز بين هذه المراحل تحديدا تشكل ذرات الهيدروجين، كأبسط وأخف عنصر والأكثر وفرة وقدما في الكون، إذ تدخل ذراته في تكوين النجوم والشمس
فكلمة هيدروجين هي مزيج من ماء (هيدرو Hydro) وتوليد (جين Gen) : مولد الماء
فالماء مكون من :
ذرتين من عنصر الهيدروجين
وذرة واحدة من الاوكسجين
{والشفع والوتر}
{وجعلنا من الماء كل شيء حي}
العرش
وفي مرحلة لم يكن فيها شيء سوى الهيدروجين، كان أمر الله على الماء
فالعرش في اللسان العربي من (ع ر ش) وله أصلان صحيحان :
قوام الأمر
ما يجلس عليه من يأمر وينهى
والمعنى الثاني مرتبط بالأول
فالأساس في العرش هو الأمر والنهي، من مبدأ السيطرة
{الرحمن على العرش استوى}
فالاستواء هو الاستقرار والسيطرة الكاملة والاستحكام
كما في قوله تعالى {والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه}
فعندما يركب الإنسان دابة غير مروضة فإنه يستطيع الركوب عليها ولكنه لا يستحكمها، فلا تخضع له ولا يستقر عليها تماما
وكان لاستعمال (إذا) قبل (استويتم) للتأكيد على طول الفترة بين الإنسان ومحاولاته تذليل الأنعام
وقد جاء لفظ (العرش) المكان المادي الذي يجلس عليه الآمر الناهي :
{ورفع أبويه على العرش}
{فلما جاءت قيل أهكذا عرشك}
ومعنى الأمر والنهي دون المفهوم المكاني، فيحكم الله ما لا يحكم الغير :
{وكان عرشه على الماء}
لأن أول عرش كان على الماء
تلاه العرش الثاني بعد تكون المجرات والسماوات والأرض والنجوم والكواكب
{الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسأل به خبيرا}
بعد مرحلة (ما بينهما)
وبتكون كون جديد خاضع لقوانين كونية جديدة وتغير صيرورة المادة الحالية إيذانا بقيام الساعة نبعث فيها ونحاسب (يومئذ) يمتد (أمر الله) على الواقع الجديد، ذو سنن وأبعاد مختلفة
{ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية}
الكرسي
يأتي الكرسي فوق العرش من ناحية الأولويات والمرتبة، لا من الناحية المكانية
لأن الذي يأمر وينهى عليه العلم على ماذا يأمر وينهى. فكلاهما لا يتمان دون معرفة كاملة
والكرسي من (ك ر س)، فنقول :
كرست نفسي للعمل، أعطيته كل جهدي ووقتي ومعلوماتي
وقالت العرب (العلماء كراريس) و اشتهر في المغرب مفهوم (الكراسي العلمية) في إشارة لتقليد عريق يملي فيه العالم دروسه من فقه ولغة على طلابه. ومنه جاءت (الكراسة) التي تحول المعرفة من الصدور إل. السطور لضمان استمراريتها وتوارثها.
فالكراريس أوعية العلم والورق مستدوع المعرفة
وبهذا المعنى جاء قوله تعالى
{وسع كرسيه السماوات والأرض}
فقد وسع علمه كل الموجودات وذلك لكي يأمر وينهى، وقد قال قبلها
{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}
والسعي لتطابق المفهوم مع اللامحسوس أو عقلنته دفع المفسرين لتشخيص معنى (الكرسي) و (العرش) والقول بأنه "موضع القدمين" أو "سرير الملك"، واعتبارهما في أفضل حال (مخلوقين عظيمين منفصلين)
ف {سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون}
