التنزيل والإنزال
تأملات


إيضاح الفرق بين التنزيل والإنزال من أهم المفاتيح لفهم شقي الرسالة والنبوة في الكتاب، لارتباطهما المنطقي مع الحقيقة المادية ولفهم النظرية المعرفية.
فكما رأينا أن القول بالترادف غير مقبول، و أن الكتاب فوق علم النحو فلا زوائد فيه، ندرك أن التنزيل من جذر (ن ز ل) و الإنزال من (أ ن ز ل) يراد بهما معنيين مختلفين.
البلاغ والإبلاغ
يمكن بدءا شرح الفرق بين (بلغ) و (أبلغ) لاختلافهما بوجود الهمزة، المستخدمة في اللسان العربي للتعدية.
ف (بلغ) هي عملية إيصال وإعلام ونقل الخبر أو الأمر أو المعلومة بشكل شمولي.
كبلاغ وزاري يذاع في التلفزة.
بينما (أبلغ) تتضمن التأكد من وصول الخبر للمعني بالأمر.
كإبلاغ بضرورة سداد مستحقات مالية.
يعني أن يصبح الخبر داخل مدركات الشخص وليس غائبا عنه ليقبل أو يرفض تنفيذه.
فأنبياء كصالح وهود بعثوا لأقوام معينة ذات عدد محدود، كان من السهل إعلامهم وإبلاغهم.
{يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم}
أما سيدنا محمد فقد بعث للعالمين، فلم يكن عليه إلا البلاغ لاستحالة تحقيق الإبلاغ واقعا
{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}
وقوله عليه الصلاة والسلام "ألا هل بلغت، اللهم فاشهد"
التنزيل والإنزال
هناك العديد من الأمور التي خضعت للتنزيل وأخرى للإنزال وأمور لكليهما معا أهمها القرآن
المن والسلوى
تقرب آيات المن والسلوى المفهوم مبدئيا
في سورة طه قال تعالى
{يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى * كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه...}
وفي سورة البقرة يقول عز وجل
{وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}
نلاحظ أن الفرق بين الآيات هو انفصال (كلوا من طيبات ما رزقناكم) في سورة طه واتصالها في البقرة
احتاجت الآية التي تضمنت نزلنا = تنزيل إلى آية مستقلة (مُنجَّمة) لتبيان أن ما (نزل ماديا) هو طعام ورزق
في حين أن آية (أنزلنا) جاء التعريف بالشيء ملتصقا لبيان المعنى
فالتنزيل إذن نقلة مادية مشخصة، يتوجب فيها حضور الشيء والإلمام به موضوعيا
والإنزال نقلة معرفية إدراكية يدخل فيه الشيء ضمن مجال المعرفة وينتقل من غير المدرك لمدرك
كقوله تعالى {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} وهو الموضع الوحيد الذي جاء فيه (علمك ما لم تكن تعلم)
️يمكن القول أن الإنزال إدراك للتنزيل️
مثال خارج القرآن
إذا أراد الباحثون نقل سطح جبل بدقة، سيحتاجون لتصميم مخطط مكون من إحداثيات ومقياس وخطوط تسوية. هذا النقل الطوبوغرافي هو الإنزال : إدخال مقاييس الجبل ضمن المدركات الإنسانية
أما نقل المخطط الورقي إلى المكتب فيعتبر تنزيلا
يقول تعالى في سورة الفتح
{هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين}
فالسكينة مجردة لا تشاهد ولا نتعرف عليها. لكن شعرها المؤمنون
بخلاف قوله {وهو الذي یُنَزِّلُ الغيث من بعد ما قنطوا} لرؤيته ماديا واقعا
الماء
فكلما ذكرت السكينة (٢) كان إنزلا، وكلما ذكر الغيث (٢) كان تنزيلا
عكس الماء الذي عرف الاثنين :
{هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون}
{أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا}
{الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم}
{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة}
{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه... }
{والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون}
إن الناظر بتمعن لكل هذه الآيات يخلص أنها تتحدث عن ظواهر طبيعية يتفاعل فيها الماء مع البيئة والكائنات الحية، يخبرنا بها الله لدراستها واستنباطها. وتهتم الهيدرولوحيا تحديدا بدراسة المياه السطحية (الوديان) والجوفية (ينابيع في الأرض) والغلاف الجوي لتقييم جودة المياه وخصائصها وتوزيعها وحركتها
في حين أن آية مثل {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد}
تتحدث عن عملية موضوعية تجلت في إخراج الحياة النباتية
الملائكة
كانت الملائكة في الأقوام السابقة ترى وتدرك من طرف الإنسان
{ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر}
واستنكار قوم نوح لما جاءهم نبي بشرا
{فقال الملؤا الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}
وظل هذا الوعي مستمرا في الأذهان حتى بعثة النبي محمد، فقد طالبه قومه مرارا بإنزال ملك
{وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر}
أما تنزيلها فيتم خارج مدركاتنا وخارج "المعقول الإنساني" لا نراهم ولا نسمعهم ولا نعقلهم.
كنقل الصوت والصورة عبر الأمواج
{تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر}
{أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون}
المائدة
طلب الحواريون من عيسى بن مريم في تحد واضح أن یُنَزِّلُ الله مائدة لإطعامهم
{إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن یُنَزِّلَ علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين}
وكان طلبه مختلفا ليقينه بالله وقدرته. فطلب نبوة ومعرفة لمائدة لها مواصفات معينة، في لحظة قد تكون مفصلية لها ما قبلها وما بعدها
{قال عيسى ابن مريم اللهم أنزل علينا مائدة من السماء تكون عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين}
(دعوة لتدبر أعمق خصوصا لمعرفة المقصود بالأول والآخر)
فكان الجواب {قال الله إني مُنَزِّلُهَا عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني معذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين}
الحديد واللباس
في خضوع الاثنين للإنزال (فقط) مع تحديد ماهيتهما تلخيص لنظرية المعرفة الإنسانية التي تقول أن الوجود يسبق الإدراك
{… وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس…}
{يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا}
فمعرفة الحديد من المعارف القديمة التي شكلت نقلة نوعية كبيرة في الحياة الإنسانية وأدخلتها في عصر جديد بعد العصر البرونزي.
أما اللباس فكان سببا في التحول الحضاري الكبير الذي عرفه الإنسان، إذ كان :
عاريا فور خروجه من المملكة الحيوانية (بحث سابق)
وعرف بعدها السرابيل، قطع ثياب غير مخيطة
{وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم}
ويعود اكتشاف الخياطة للعصر الحجري لاستخدام إبر عظمية وخيوط من أوتار وعصب الحيوانات لربط الجلود والفراء بغرض الدفء.
