القوامة
تأملات


في بحث القوامة كان لا بد من تمهيد عن مصطلحي الرجال والنساء كما جاء سابقا ومنه نفهم أن الآية 34 في سورة النساء تشمل الذكور والإناث من المجموعتين. بدليل قوله {بما فضل بعضهم على بعض} وليس (بعضهن).
وفي ما يلي استفاضة.
️فما هي القوامة؟
يوصف الله على أنه (قيوم السماوات والأرض)
فهو القائم بذاته
المدبر لشؤون وأرزاق المخلوقات في السماوات والأرض
المستغني المطلق
وكل المخلوقات مفتقرة إليه.
إذن بإمكاننا القول أن :
الأشخاص ذوو الكفاءة والقدرة والاستطاعة لتوفير الاحتياجات لهم القوامة، يليهم (نسيء) مرتبة من هم أقل كفاءة وقدرة واستطاعة.
والحديث في الآية عن نوعين من القدرة :
الكفاءة الإدارية
{بما فضل بعضهم على بعض}
الكفاءة المالية
{وبما أنفقوا من أموالهم}
ليأتي الحديث مباشرة عن {الصالحات قانتات حافظات للغيب} باستعمال حرف الفاء، الذي يأتي غالبا لتبيان :
حدوث الأمر مباشرة دون مهلة،
التفريع والترتيب،
والسببية، ما قبله سبب لما بعده.
وهذا هو الأقرب للآية.
وإلا لما يتم ذكر الصالحات وليس الصالحون، مباشرة وفي نفس السياق إلا إذا أراد شملهن في الفئة الأولى.
هنا في مساحة التدبير لا يراد به الصلاح الخالي من الذنب، بل الخالي من العيب لأداء المهمة:
{فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه}
فامرأة زكريا كانت عاقرا وصارت ولودا.
قانتات. للقنوت معان مختلفة منها إطالة القيام والمواظبة والمداومة والطاعة برغبة
حافظات للغيب، الحفاظ على أمانة البيت وأسراره وخصوصياته.
وهما وصفان للصالحات "المعرفة".
النشوز
هنا وقفة لفهم تكملة الآية.
نبهنا الله من تعضية الآيات وأنذر المقتسمين {الذين جعلوا القرآن عضين}
والتعضية هي القسمة والتفرقة. فكل آية تقرأ من بدايتها لنهايتها (باحترام التنجيم) ويستنبط المعنى منها دون تجزءة وذلك لحملها "وحدة الموضوع".
فآية المداينة مثلا في سورة البقرة ٢٨٢ جاءت في ١٥ سطرا بينما {والفجر} كلمة واحدة.
آية القوامة كما يلي :
{الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا}
فلا يجوز فهم النشوز خارج حقل القوامة.
وهو من جذر (ن ش ز) أي على وارتفع.
والنشز المكان المرتفع.
ونقول نشز الصوت : تغير وعلت نبرته.
{وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما}
نرفعها من مواضعها على شكل هيكل عظمي وبعدها نكسوها باللحم.
وعليه، كل استعلاء وغرور وتكبر بحجة الانفاق
ولا مجال لنسبه (أي النشوز) للعلاقة بين الزوج والزوجة.
وهذا ما تؤيده الحالة المقابلة، على بعد صفحات
{وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا}
بقوله تعالى (بعلها) مكان (زوجها) يقصي رأسا الجانب الجنسي في العلاقة. فالحديث إنما عن إدارة البيت لا العلاقة الزوجية. فالبعل هو المجالس المؤاكل غير المعاشر.
كما تبين في آية المطلقات، الآية ٢٢٨ من سورة البقرة {والمطلقات يتربصن بأنفسهن … وبعولتهن أحق بردهن…}.
وقوله تعالى على لسان امرأة إبراهيم
{قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب}
فالخوف من سلوكين مذمومين، ينبغي على المرأة فيهما أن تلجأ للتوسط وطلب الصلح :
النشوز : التعالي والكبر
أو
الإعراض : الإهمال.
️نموذج في الإسلام
ولنا في السيرة النبوية أسمى وأروع مثال عن القوامة للمرأة، في شخص السيدة خديجة بنت خويلد.
فكانت تعرف أنها سيدة قريش، امرأة ذات مال وجاه وخلق ولأن الرسول كان ذو أمانة وصدق، استأمنته (من موقع الاستثمار) على مالها وتجارتها (كرئيس تنفيذي) ولم يعبه ذلك إطلاقا.
وحين بعثته عليه السلام وتفرغه للدعوة، حملت على عاتقها القيام بشؤون البيت وتأمين الاحتياجات بأمانة وضا، بل وتكفلت بالإنفاق على مجتمع بأكمله حين حوصر المؤمنون في شعب أبي طالب لثلاث سنوات حتى تمكنوا من تجاوز المحنة دون أن يندثر الإسلام قبل أن يكون.
حتى قال رسول الله :
"ما قام ولا استقام ديني إلا بمال خديجة وسيف علي".
فكانت السيدة خديجة حيث لم يكن أحد.
وكانت أفضل مثال عن الصالحات القانتات الحافظات للغيب (لا الناشزات) كأبهى صورة للاحتواء والتصديق والثتبيت والسند، فظلت حبيبة قلب النبي ولم يتزوج عليها طيلة حياتها في مجتمع كان معروفا بالتعددية الزوجية، فقد آمنت به حين كفر به الناس، وصدقته إذ كذبه الناس، وواسته بمالها وقت حرمه الناس، ورزقه الله عز وجل ولدها إذ حرمه أولاد النساء.
