الحنيفية والاستقامة
تأملات


التجسيد نزعة إنسانية تميل لإسقاط تصوراته على الكائنات والطبيعة لمحاولة تقريب فهم المجرد
لذلك كان تأليه مظاهر الطبيعة من نجوم وكواكب وأشجار أوصناعة الأصنام كاللاث وهبل في شبه الجزيرة العربية نابعا من صعوبة استيعاب فكرة الإله المتخفي عن الأنظار
الشرك
ولهذا السبب يعتبر الشرك بالله، في مستواه الأولي المبني على جعل أنداد مع الله والاعتقاد بأنها قادرة على النفع والضر، رأس المحرمات
{قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم}
فكانت الحضارات السابقة تتقرب لآلهة من نسج الوهم وبإيعاز من طبقة كهنة المعابد التي كانت تتاجر بالدين وتقنع الناس أن تقديم القرابين وإقامة الطقوس لجلب منفعة آلهة المطر والحصاد والخصوبة والظفر في الحروب وإتقاء شر آلهة الرعد والبحر والشمس والكوارث وغيرها
{وقالول لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا}
عطف هؤلاء على الآلهة يعني أنهم ليسوا ضمنهم
والشرك التجسيدي يوجب العذاب ويدخل صاحبه النار
{لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}
{لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا الله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم}
كما اتخاذ شريك لله في الألوهية والملك يكون معنويا
{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا}
أو ماديا
{قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا}
وجاء في بحث (صراع الأجيال) كيف أن الإيمان بالثبات يعني إلغاء الفناء. والأشياء في وجودها تخضع لجدلية الهلاك والبقاء
{ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون}
الكفر
من جذر (ك ف ر) وهي غطى عن سابق معرفة وبقصد
{اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته...}
نستنتج منه معنى حجب الرؤية أو السماع الذي تعرض له رسول الله حين منعه كفار قومه من التبليغ. فكل من المشركين والكافرين صدوا عن سبيل الله
ما يجعل الكفر موقفا صريحا (الكفر بماذا) وعلنيا قرن دوما ب (قال) و (قالوا) و (يقول)
فالشرك لسان حال
والكفر لسان مقال
كما جاءت في مواضع أخرى بمعنى :
١. الشرك
٢. النفاق
٣. البخل
٤. الاستكبار
٥. مقابل الشكر
٦. جحود النعمة
٧. إنكار الآيات الكونية
والكفر نوعان تحقق كلاهما في زمن الرسول. كفر مع قتال وكفر دونه
{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}
أما من أظهر العداوة وصد عن سبيل الله فجزاؤه جهنم
{إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية}
لم يكفر كل أهل الكتاب، بل فئة منهم، لاستعمال حرف (من)، وهم اليهود
{إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين}
ولم يقاتل الرسول كل المشركين بل من أظهر عداوته من كبار قريش كأبو سفيان وأبو لهب وأبو جهل والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف
إلى فتح مكة، في رمضان من العام الثامن للهجرة، والتي شكلت مفصلا تاريخيا قضى فيه الرسول الأعظم على عبادة الأصنام
{وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}
فسميت الأصنام التي كانت حول الكعبة بالباطل، بمعنى الوهم : وهم أنها تعطي وتمنع، تضر وتنفع، مقابل توحيد الله والله هو الحق
النجس
{يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}
كانت التلبية العامة للعرب قبل الإسلام بالصيغة التالية
"لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"
وجاء في الإنجيل أن المسيح قال "ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم هو الذي ينجس الإنسان". بمعنى أن النجاسة الحقيقية معنوية قلبية وليست مادية. وهذا الموضع الوحيد الذي ذكر فيه النجس في الكتاب الحكيم
العام والسنة
وذكر العام بإشارة (هذا) لكونه مرتبطا بحدث فتح مكة، كأن نقول عام الفيل أو العام العاشر للهجرة
حيث تستعمل كلمة عام كمقياس زمني منسوب إلى حدث يأتي معرفا
{...وفصاله في عامين}
موعد معرف ابتداءا من الولادة
{ثم يأتي من بعد ذلك عام يغاث فيه الناس وفيه يعصرون}
فعرف بعام الغوث والعصر
بخلاف مفهوم السنة المستخدم للعد كوحدة قياس متغيرة تدل على الزمن بشكل عام دون ربطه بحدث معين
{ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}
{هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب}
النبي الأمي
عكس الفهم الدارج فالأميين هو اسم كان يطلقه أهل الكتاب وخاصة اليهود على الذين ليسوا على ملتهم، ويعتقد ربطها ب(الغوييم) في أدبياتهم, الحيوانات في قطيع والحشرات في أسراب
{ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}
الفئة الأولى النصارى والفئة الثانية اليهود وهذا ديدنهم بمعاملة غيرهم معاملة دونية
فمحمد بن عبد الله لم يكن لا يهوديا ولا نصرانيا، أي أنه لم يكن من أهل الكتاب
{هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}
وكان عليه الصلاة والسلام يملي رسائل منها ما حفظ كرسائل تاريخية لكسرى فارس وقيصر الروم ومقوقس القبط وإن كان لا يتلو ولا يخط.
الحنيفية
تشترك ألفاظ (خنف) و (حنف) و (جنف) في صوتين وتختلف في مقطع صوتي واحد
الخنف، الميل في الصوت باتجاه الأنف
الجنف، الميل في الجسم وفي العمود الفقري. وذكرت في الكتاب مع الوصية
الحنف، الميل في القدم إلى الداخل
فيمكن للحنف أن يعرف بالميل والانحناء
أول من سلك الحنيفية هو ابراهيم عليه السلام، إذ اكتشف في رحلة شكه المؤدية لليقين أن كل شيء في الكون متغير غير ثابت، من خلال مراقبة الكوكب والقمر والشمس. فالحنيفية تغيرات الموجودات في الطبيعة بين ثانية وأخرى (النجوم والسحاب والمياه وتيارات المحيطات. الصفائح والجبال لأصغر ذرات هم في حركة دائمة غير ثابتة)
فالأجسام الواعية تعبر عن التغير بالهلاك والموت
والأشياء الجامدة تعبر عنه بتغير الشكل
إذن الحنيفية هي صفة من صفات الكون بل فطرته
{فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}
قيومية الدين في عزمه وسيطرته وقوته
فالقيومية مع الاستقامة مشتقات من (ق و م) وهي الانتصاب والعزم.
فمن الانتصاب جاء المستقيم
ومن العزم جاء القيم
بمعنى الدين القوي القائم ذو السيطرة
{الله لا إله إلا هو الحي القيوم}
فطبيعة الكون والوجود المادي طبيعة حنيفية متغيرة. لا توجد به حركة مستقيمة بل تتم في منحنيات (أفلاك) مائلة. فالدين الحنيف منسجم مع طبيعة الوجود وحين يحمل الإنسان هذه الصفة بداخله فطريا يكون بدوره منسجما مع الكون من حوله
فأعلى قمة على الأرض هي قمة إيفرست و أخفض نقطة على اليابسة توجد بالبحر الميت، والتضاريس ما بينهما
أطول نهر في العالم هو النيل وأقصر نهر هو نهر رو في مونتانا يبلغ طوله 61 مترا والباقي ما بينهما
وهكذا، احتمالات لا نهائية بين الأكبر والأصغر، الأطول والأقصر، الأعلى والأدنى
وجدلية الرحمانية توجب مقابلة الحنيفية بالاستقامة
فصفة الانحراف والميل قي التشريع وفي الطباع والعادات والتقاليد تحمل صفة (المتغيرات). والمتغيرات تتطلب وجود (ثوابت) يحتاجها الإنسان في حياته يرجع لها وتشكل جدلية ثنائية مع بعضها البعض. لذلك يحتاج الإنسان أن يدله الله على هذه الثوابت (المستقيمة) التي لا تخضع للتحول، وهي الصراط المستقيم. فتجدنا ندعو في كل صلاة {اهدنا الصراط المستقيم}
وهنا يكمن التفاعل بين الثابت والمتحول، (المستقيم) و (الحنيف) في الدين الإسلامي مما يجعله صالحا لكل زمان ومكان
{قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين}
ملة ابراهيم : {ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين}
فشريعة موسى وعيسى كانت ظرفية مكانية زمانية (مؤقتة) مع عقوبات عينية، ولم تكن حنيفية. ووصفت بكثرة الأغلال فيها لصعوبة العيش في حد واحد معين، بل يجب وضع حدود دنيا وحدود قصوى والعيش ضمنها
أما الرسالة المحمدية فاتسمت بالحنيفية في الشرائع (خاصة العقوبات والتكليفات) جعلت مجال التصرف أكثر مرونة قابلا للتحرك في حدود النهايات
مثال عن عقوبة القتل، الحد الأعلى الإعدام (النفس بالنفس) والأدنى الصفح، والتصرف بينهما متغير
الحنيفية إذن فطرة والاستقامة حدود لإدراك الصواب داخل مجال معين
{وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين}
فالاستقامة حدود الله
والحنيفية حدود متغيرة ضمن حدود الله
