الجدلية الرحمانية
تأملات


من أجمل ما قد تسمعه في القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم للدكتور محمد شحرور هي الجدلية الرحمانية ورحمانية القرآن كقوانين يمشي وفقها الوجود.
الربوبية والألوهية
{ قُلِ ٱدۡعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُوا۟ ٱلرَّحۡمَـٰن }
الله لفظ الجلالة واسم الألوهية، مقام تتجلى فيه علاقة العبد بمولاه من طاعة وامتثال. علاقة من أسفل لأعلى، نُـألهه ونعبده.
أما الرحمن فاسم الربوبية، مقام السيادة والملك والسلطان. علاقة من أعلى لأسفل، إقرارا بالخلق والرزق { رَّبِّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَیۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَـٰنِۖ }
في سورة الأنعام قال تعالى { ذَ ٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَـٰلِقُ كُلِّ شَیۡءࣲ فَٱعۡبُدُوهُۚ } :
ربكم / خالق كل شيء
لا إله إلا هو / فاعبدوه
وكل دعوات الأنبياء والرسل كانت تحت عنوان { یَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرُهُۥۖ }
فالله طالبنا بالإقرار بألوهيته لا بربوبيته، المسلم بها سلفا.
{ وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِیۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ شَهِدۡنَاۤۚ أَن تَقُولُوا۟ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَـٰذَا غَـٰفِلين}
جدلية الوجود
الله تعالى أحادي {لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ} (واحد في كمه، أحد في كيفه) بينما الرحمن ثنائي. لذلك في سورة الرحمن جاءت الآية الأولى منفصلة قائمة بذاتها مكتفية المعنى.
فلفظ الرحمن على وزن (فعلان) بفتح الفاء من أسماء الأضداد من أبرز خصائصه لغة الامتلاء والخلو من الشيء. كوصف ريان/عطشان، شبعان/جوعان، فرقان/جمعان...
لذلك يقبل "الرحمن" أن يكون معزا مذلا، رافعا خافضا، رحيما وشديد العقاب في آن واحد.
{ یَـٰۤأَبَتِ إِنِّیۤ أَخَافُ أَن یَمَسَّكَ عَذَابࣱ مِّنَ ٱلرَّحۡمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّیۡطَـٰنِ وَلِیࣰّا }
غير أنه كتب على نفسه الرحمة { قَالَ عَذَابِیۤ أُصِیبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَاۤءُۖ وَرَحۡمَتِی وَسِعَتۡ كُلَّ شَیۡءࣲۚ } بدليل تكرر لفظ "الرحمن" و "غفور رحيم" 57 مرة في كل الكتاب لكليهما. ولا ريب إذ أنه كتاب { باسم الله الرحمن الرحيم }.
وتماشيا مع ثنائية اسم الربوبية و مدى دقة القانون المنظم للوجود الرحماني فالكون كله مبني على الثنائيات ويخضع لقوانين :
التناقضات (Contradictions) في الشيء الواحد ضمن صراع البقاء والهلاك كحركة دائمة لا تتوقف وتعطي معنى للمادة بالزمن.
{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِی رَیۡبࣲ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن تُرَابࣲ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةࣲ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةࣲ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةࣲ مُّخَلَّقَةࣲ وَغَیۡرِ مُخَلَّقَةࣲ لِّنُبَیِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِی ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَاۤءُ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ مُّسَمࣰّى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلࣰا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوۤا۟ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن یُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن یُرَدُّ إِلَىٰۤ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَیۡلَا یَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمࣲ شَیۡـࣰٔاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةࣰ فَإِذَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَیۡهَا ٱلۡمَاۤءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِیجࣲ }
الأزواج (Parity) في الأشياء تبعا لقانون التكيف بين التأثير والتأثر المتبادل في الطبيعة والإنسان.
{ سُبۡحَـٰنَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَ ٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا یَعۡلَمُونَ }
الأضداد (Opposites) في الظواهر التي تنجم عنها وحدة كاملة (الليل والنهار =يوم/العمى والبصر =العين/المد والجزر =البحر/ الجبال والوديان =تضاريس...)
{ إِنَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَـٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ }
️جدلية الإنسان
تضاف على قوانين الطبيعة خصائص تميز بها الإنسان في السلوك الواعي والفكري
{ وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِی هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلࣲۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَـٰنُ أَكۡثَرَ شَیۡءࣲ جَدَلࣰا }
مردها لنفخة الروح، منذ آدم الذي عرف المعصية بخلاف سائر المخلوقات التي لا تعرف في عبادتها سوى الطاعة
{ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ وَهِیَ دُخَانࣱ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهࣰا قَالَتَاۤ أَتَیۡنَا طَاۤئعِینَ }
فجدل الإنسان يكون بين
الإيمان والكفر،
الفجور والتقوى (النفس)،
الحق والباطل،
الصدق والكذب...
{ وَیُجَـٰدِلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِٱلۡبَـٰطِلِ لِیُدۡحِضُوا۟ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ }
الرحمن والشيطان
{ یَـٰۤأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّیۡطَـٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَـٰنِ عَصِیّيا }
فالشيطان هو حامل لواء الباطل، الجانب غير الحقيقي الوهمي في الفكر الإنساني { یَعِدُهُمۡ وَیُمَنِّیهِمۡۖ وَمَا یَعِدُهُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا } بخلاف الرحمن الذي يمثل الحقيقة الموضوعية في الوعي الإنساني { ذَ ٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا یَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَـٰطِلُ }
