الشوك والقرنفل
فلسطينأدب السجونرواية


في بيت "الحاج الصالح" تجتمع كل فلسطين بأطيافها، تتحلق حول الأم مساءا أمام شاشة الأخبار مع بذور البطيخ والشاي أو السحلب على اختلاف انتمائاتها، تتناقش، تتشاجر، تختلف وقليلا ما تتفق. نجد فتح، وهناك حسن وإبراهيم... وأحمد،... و أولادهم "إسراء" لتظل العيون والقلوب معلقة بالمسجد الأقصى و "ياسر" وفاء لدماء الشهيد المشتبك...
إن اغفلت ملاحظة الغلاف "هذه ليست قصتي الشخصية" ستظل تبحث عن اسم يحيى بين أزقة المخيمات ودكات الجامعة الإسلامية وحلقات المسجد حول "الشيخ أحمد"... ولا تجده هناك.. بل تعثر "يحيى" آخر خريج جامعة بيرزيت قسم الكيمياء في الضفة الغربية قبل انتقاله لغزة، يصنع المتفجرات الذاهبة للعمق الإسرائيلي.. تتعرف على عينان لا تكذبان خلف لثام "عماد"، مؤرق الاحتلال.
وإن لم تجد يحيى السنوار الكاتب، في خطاب الرواي أحمد، ستتعرف عليه دون شك في عناد بطله وقدوته ابراهيم، في إعداده، وعصاميته، هدوءه وابتساماته أمام "أبو وديع"، تكتمه وثبات مبادئه، في حبه لفلسطين التي لا يجتمع في قلبه عشق آخر سواها... تسمع صدى استنكاراته "عجبا لهؤلاء القوم ماذا يريدون؟ يريدون أن تقتلنا قوات الاحتلال، ولا نفعل شيئا سوى العويل، ورفع الرايات البيضاء واستجداء الرحمة من الجزار الذي لا يعرف الرحمة" ص. ٣٣٤
#الشوك_و_القرنفل ليست رواية قهر النكبة كما في "بينما ينام العالم" أو وجع الفارس خالد وهو يقارع العثمانيين والإنجليز في "زمن الخيول البيضاء". بل هي رواية التجربة الفلسطينية ما بعد ذهول النكسة؛ "التربية والاعداد" في المساجد ؛ أدرينالين المواجهات وعمليات الانتفاضة ؛ تعقب العملاء في زوايا الشوارع ؛ مهانة العمل بالداخل المحتل؛ السيارات المتجاوزة وخطف الجنود لتبادلهم... هي رحلة البحث الحثيث عن الذخيرة وسط شح السلاح.. هي الخليل وجامعة بيرزيت وغزة الملتحمة مع دوريات العسكر وحلقات خيام سجن النقب وتعذيب المعتقلين في "المسالخ". هي الجهد المهدور وعبثية التصادم الحزبي بين القوى العديدة في مواجهة الاحتلال الواحد..
"مئات بل آلاف الشهداء سيسقطون، وعشرات آلاف الجرحى، وستجد من يأتي ليطرح مرة أخرى الذهاب إلى أوسلو جديد، أو سمه ما شئت أن تسميه، وهكذا بعد كل جولة من جهاد وكفاح شعبنا يأتي السياسيون ليقطفوا الثمرة؛ لأنهم يسارعون في قطاف الثمرة قبل أوانها فإنهم يعاقبون بحرمانها، فلا الثمرة تبقى على الشجرة حتى تثمر، ولا ينتفع بها حين قطافها فهي لم تنضج بعد. هكذا كان الحل مع انتفاضة شعبنا الأولى، ولأن علينا أن نبدأ من جديد ليأتينا من يتوهم أن الثمرة قد نضجت وآن أوانها، فيدمر كل ما ضحى شعبنا من أجله". ص. ٣٢٥
ففي بيت "الحاج الصالح" تجتمع كل #فلسطين بأطيافها، تتحلق حول الأم مساءا أمام شاشة الأخبار مع بذور البطيخ والشاي أو السحلب على اختلاف انتمائاتها، تتناقش، تتشاجر، تختلف وقليلا ما تتفق. نجد فتح، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، حسب اعتقاد محمود المتهكم، وهناك حسن وإبراهيم ابنا الجماعة الإسلامية، رائدة العمل الفدائي منذ الانتفاضة.. وأحمد، اللامنتمي... و أولادهم "إسراء" لتظل العيون والقلوب معلقة بالمسجد الأقصى و "ياسر" وفاء لدماء الشهيد المشتبك...
"وبدأ يتحدث أمام الجميع عن أكذوبة السلام، التي سوقت على شعبنا والتي هدرت جهده وجهاده وتضحياته على مدار سنوات الانتفاضة الأولى، وها هو شريك سلام الأمس يذبح ليل نهار، ولا يراعي فينا رحمة ولا رأفة. وعاد وفكر أن فكرة السلام مع المحتلين هذ أكذوبة يتم تسويقها بين الحين والآخر لخداع شعبنا عن طريق حريته وكرامته طريق المقاومة في لبنان حين أجبرت الاحتلال على الهروب من الجنوب اللبناني تحت وطأة ضرباتها". ص. ٣٣٠
ففي الوقت الذي كان فيه البعض يصنع ويلف الأحزمة الناسفة حوله ويزلزل أمن المغتصبين كان البعض يوقع الاتفاقيات ويصنع "سلم النزول عن الشجرة التي كان الاحتلال سيرمي بنفسه عنها" ويخرج هاربا من غزة والضفة تحت ضربات السياط. فمن يزرع الشوك لا يحصد شوى الشوك.
تندرج الرواية ذات العقدين ضمن #أدب_السجون ليس لأنها تطرقت فيما تطرقت له لمعاناة الأسرى وانتصارهم على السجان بالصمود والأمل بل خصوصا لأنها أصلت للنضال الفلسطيني وتحدياته على امتداد الوطن الكبير من داخل زنازين سجن بئر السبع. فتكون ثاني رواية أقرأها من هذا النوع بعد "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي؛ وأعتبر نفسي مشمولة في إهداء قائد فذ شهيد "أتى كل شيء كي يسوء عدوه.. ولم يأت شيئا في الحياة ليسلما" حين قال "أهدي (العمل الروائي) إلى من تعلقت أفئدتهم بأرض الإسراء والمعراج من المحيط إلى الخليج؛ بل من المحيط إلى المحيط".
فسلام على يحيى يوم ولد و يوم سجن و يوم خطط ويوم اشتبك وارتقى ويوم يبعث حيا!
