الفرض و الكتاب
تأملات


نقر جميعنا بأن جوهر الرسالة المحمدية رحمة للناس جميعا. إذ بعث عليه الصلاة والسلام لرفع العنث والإصر والأغلال وفتح أبواب التوبة والمغفرة على مصراعيه أمام الكثير من السيئات. لكن بإدخال هذه المكبلات بعد رحيله من طرف الغير، تحت مسمى شريعة من قبلنا شريعتنا (تشمل شريعة موسى 18 عقوبة إعدام خنقا أو رجما أو حرقا أو بقطع الرأس على جرائم مثل عقوق الوالدين والسحر وإنتهاك السبت والدعارة وغيرها)، كان لابد بالقول (المشقة تجلب التيسير) و (الأجر على قدر المشقة)
في حين أن القاعدة الأساسية هي
{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} و {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون}
والحرج أول مستويات الضيق النفسي
التمييز بين فعلي (كتب) و (فرض) يزيد من فهمنا لمرونة الدين ورؤيتها مطبقة على أرض الواقع
وكون الكتاب اشتمل على اللفظين، يعني بالضرورة اختلافهما في المعنى
️كتب
جاء سابقا أن الكتاب من (ك ت ب)، وهو ضم وجمع الشيء للشيء بغرض إتيان معنى وإخراج وحدة موضوع متكامل
فالكتب مجموعة صحف مجتمعة
{وقالوا أساطير الأولين اكتتبها}
إصدار كتاب من طرف جهة رسمية يقصد به الوثيقة (لا الخط) التي بها تعليمات وقرارات
والكتاب المدرسي مطبوع مقرر معتمد يحتوي على منهاج أكاديمي فيه مجموعة المواد والوحدات والتمارين لكل مستوى تعليمي
ونجد في الجيش كتيبة جنود وآليات، فلا تطلق على فرد وحيد بل تجمع للجنود والآليات في نسق معين
والكتاب الحكيم جاء جامعا لمجموعة كتب أوحيت إلى الرسول الكريم من الله في النص والمحتوى تؤلف في مجموعها كل آيات المصحف
{رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة}
على هذا الأساس كلما ظهر فعل (كتب) يحتمل أزيد من :
موضوع
أو حكم
أو اختيار
أمثلة
القصاص
{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدي بعد ذلك فله عذاب أليم}
جاء العفو والإحسان في نفس الآية كاحتمال ثاني للقصاص
والعفو من (الأخ) لبيان ظرفية قتال الثأر والانتقام من طرف أولياء الدم لا الحرب الوطنية
نقل الثروة
{كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين}
تنتقل الثروة عبر الأجيال إما عن طريق الإرث أو الوصية
تكرر في الآية 12 من سورة النساء :
{... من بعد وصية يوصين بها أو دين...
من بعد وصية توصون بها أو دين...
من بعد وصية يوصى بها أو دين...
وصية من الله والله عليم حليم}
فالوصية هي الأساس والإرث احتياط عدم وجودها
الصيام والفدية
{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}
{...وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين...}
الطاقة قدرة واستطاعة. وجاء عكسها في الكتاب مع لا النافية
{وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}
الحرب والسلم
{كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}
الخيار الثاني
{وإن جنحوا للسلم فاجنح لها}
هلاك القرى
{وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم}
تمثل القرية قرآنيا الوعي الجمعي أحادي السلوك والتفكير والعقيدة وينفي على الآخر التعددية والاختلاف
نجد مثلا القرية السياحية والرياضية والأولمبية...
{وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون}
لذلك اعتبر الثبات والسير على خطى الأولين شركا، لأن الله وحده الواحد الباقي وغيره متعدد فاني. فوعي القرية الجمعي مقاوم، شرس ويبتكر أدوات سطوته. فيستوجب، مع تفشي الفسق والظلم والجحود بالنعم، حلول الدمار والعذاب، يقابله في الاحتمال الآخر تطور وازدهار وأمان
{وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا}
و أمر الله القوم لغة : كثر نسلهم، فصاروا (هنا) طبقة وشريحة مجتمعية مستبدة
{وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وهم لا يشعرون}
{وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}
ولم يستثني من هذا القانون الثابت {كتابا مسطورا} إلا مكة وسماها (أم القرى)، حيث يعتمد الحجيج سلوكا ولباسا وتوجها واحدا. وقد ربط سبحانه في التوجه للقبلة رأس المجرد (الصلاة) برأس المجسم (الكعبة)
الرحمانية
كتب الله على نفسه الرحمة ولم يفرضها
لأن الرحمن يصيب بعذابه من يشاء
{قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة}
{... قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء}
كتاب الصلاة (بحث القضاء)
️فرض
يتوجب في الفرض أن يكون محددا ومعلوما
من جذر (ف ر ض) أي عَيَّن و نَصَّ وحدد
ففرض الشيء أي حز فيه حزا واضحا
ومنه فرض القوس مكان حز الوتر فيه
وفُرْضَةُ النهر ثلمته أو مشرعة الماء التي يستقى منها
وفرضة الدواة، محل المداد
قال تعالى {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون}
فغالبا ما تحمل بدايات السور مفاتيح فهم ما بداخلها من آيات وتعطي الطابع العام لها. فجاءت في سورة النور فرائض محددة منها عقوبة :
الزنا، الفاحشة العلنية الظاهرة
{قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن}
{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}
100 جلدة لا تزيد ولا تنقص
رمي المحصنات
{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة}
80 جلدة لا تزيد ولا تنقص
الإرث
تبدأ آيات الإرث ب {يوصيكم الله} و تنتهي ب {فريضة من الله} لتحديده النسب في كل حالة
{للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا}
يكون (النصاب القانوني) في المجالس التشريعية معروفا ومحددا كحد أدنى لاتخاذ القرارات
والفريضة إما لنا أو علينا
{إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم}
أي أنها من الله، لا نسأل عن مصدر الأموال فيها، على المعطي وللآخذ.
جاءت الأجور المؤداة من مهر وصداق ونفقة تحت مسمى الفريضة لكونه مبلغا محددا
