القضاء
تأملات


حمل فعل (قضى) في الكتاب معاني مختلفة :
الإخبار،
الأمر,
إنهاء الشيء,
الإرادة الإلهية النافذة
الإخبار، {وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين}
الأمر {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}
إنهاء الشيء {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا}
الإرادة الإلهية النافذة {هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}
{ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}
وصياغة هذا القضاء تكون بصيغة حتمية مبرمة مربوطة بقوله (كن فيكون)، وقوله الحق
أي أن (قضاء) الله النافذ الأزلي لا يكون إلا من خلال (كلماته) التي هي الوجود وقوانينه (مقدوراته)
{وكان أمر الله قدرا مقدورا}
بخلاف الأوامر والنواهي (الرسالة) التي لا تحتوي على صفة الشرطية المرتبطة ب :
{فحق عليها القول}
{يقول له كن فيكون}
{تمت كلمت ربك}
كقوله تعالى {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}
فهنا قضاء الله غير أزلي ومتغير بتغير أحوال الناس. لذا جاءت الرسل والأنبياء منذرين للناس
{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخدناهم بما كانوا يكسبون}
فالقول بأن القضاء هو علم الله الأزلي والقدر نفاذ هذا العلم في عهد بني أمية هو أكبر خداع وتقول على الله لأغراض سياسية لتقييد حرية الناس. ومن بين الأمور التي أوجدت أزمة الفقه الإسلامي لافتراض ثبات الأعمال والأعمار والأرزاق والتصرف ضمن قوانين جبرية
فقضاء الله النافذ في الإنسان مشروط بموقف الإنسان ما عدا قوانين اللوح المحفوظ في التطور والوجود. فعندما ينفذ هذا القضاء لا ينفذ إلا من خلال كلماته لكن العمل والعمر والرزق غير مبرمج سلفا بل مفتوح أمام الإنسان والطب والسعي
{ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا}
لكن علم الله هو العلم بجميع الاحتمالات من قبل ومن بعد
ويظهر هذا في الآية الكريمة
{إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حیَّ عن بينة وإن الله لسميع عليم}
فحدوث معركة بدر ليس بالقضاء الأزلي بل ارتهنت بشروط زمكانية وظروف دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية في تلك الفترة تحديدا أدت لالتقاء الجيشين.
قضاء مشروط بموقف إنساني جاء نتيجة ظروف معينة اجتمعت كلها لحصول هذا القضاء بتدخل إلهي
{وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا}
️موت الإنسان قدر
{نحن قدرنا بينكم الموت}
️وحتمي لقوله تعالى (بإذن الله)
عكس قوله (شاء الله) إذ يكون حدوث الشيء احتمالي له وجهان
{وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}
{لمن شاء منكم أن يستقيم} تقابلها الاعوجاج
{ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} لكن {لا يزالون مختلفين}
️كتابا، بمعنى مجموعة أسباب وشروط وعناصر موضوعية إذا اجتمعت تحقق الأمر. فعندما يدرس الإنسان كتاب الموت وتزيد معرفته بشروطه يمكنه تأجيله دون إلغائه
ككتاب الصلاة، ركعاتها مفروضة لكن مواقيتها مختلفة ومرتبطة بحركة الشمس كما أن كتابها مؤلف من عناصر أخرى منها الطهارة والوضوء والنية والقيام والقعود إلى التسليم
{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}
فحياة الإنسان في جلها تحرك وفق (كتب) والتصرف يكون بالضرورة من خلال عناصرها
{وكل شيء أحصيناه كتابا}
️كتابا مؤجلا : حتى تتحقق الشروط المؤدية للموت {لكل أجل كتاب} فالأجل حاصل لا محالة {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}
فالموت قدر لكن القتل قضاء
القضاء والقدر والحرية
الوجود في الطبيعة قائم على :
قانون الزوجية بين الأشياء
التناقضات في الشيء الواحد
والأضداد في الظواهر (بحث الجدلية الرحمانية)
بصورة متكافئة لا يلغي أحدهما الآخر
{تولج اليل في النهار وتولج النهار في اليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب}
والفكر الإنساني ليس بمنأى عن صراع الأضداد في حركته وحريته كنعم ولا في السلوك، والكفر والإيمان في العقيدة والإثبات والنفي في القرار.
فالقاضي الذي يبث في قضية ويفصل في نزاع ويصدر حكما إنما يستخدم حريته بين تبرئة أو إدانة، إعفاء أو إلزام، إثبات أو نفي
هذه الحرية تفترض أمرين :
الوجود المسبق لجوهر القضية (القدر)
والمعرفة المسبقة والإلمام بتفاصيل الموضوع. فمن شروط القاضي أن يكون مؤهلا مختصا ملما محيطا بكافة الملابسات
{ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قُضِیَ بينهم بالقسط وهم لا يظلمون}
فالقضاء إذن ظاهرة متعلقة بالسلوك، إرادة واعية بين نفي وإثبات في موجود ضمن شروط مع معرفة
والقدر هو الوجود الموضوعي للأشياء سواء علمنا أم لم نعلم
وعليه تكون حرية الإنسان هي القضاء والقدر معا
فكلما زادت معرفة الإنسان بالمقدرات كلما زاد قضاؤه فيها. فالذي لا يعرف فيما يقضي لا يتخذ قرارا وتضيق حريته
والمعرفة الإنسانية صاعدة للأعلى ومحورها القلم
والقضاء متطور وصاعد محوره القدر
