الفضيلة

أدب عربيروايةمصطفى لطفي المنفلوطي

11/30/20251 min read

لم يهتم مصطفى لطفي المنفلوطي فقط بنقل الرواية من لغة للغة عن طريق ترجمة جوفاء باردة. بل أبرز القيم الإنسانية التي تتشارك فيها الأمم وتنزلها منزلة رفيعة كالعمل والإخلاص والحب والوفاء والتواضع والرحمة وأطنب في تمجيدها لتأكيد الفكرة الأساس أن الأقوام ترتقي بالثبات على المبادئ لا باللهف وراء المصالح.

بعد ماجدولين، كافتتاحية ل ٢٠٢٥، إرتأيت ختام السنة برواية أخرى لمصطفى لطفي المنفلوطي. ومع اقتراب نهايتها ظل السؤال يراودني : لماذا نقرأ رواية صدرت في نسختها الأصلية سنة 1788 و العربية منذ 100 عام؟ 

إن المنفلوطي وإن كتب مقالات نقدية ذات طابع اجتماعي وسياسي وإسلامي (جمعت في كتاب النظرات) لم يشتهر كأحد رواد الرواية العربية الحديثة إلا من خلال تعريبه لكلاسيكيات الأدب الأجنبي -روايات قاومت الزمن ولم تتقادم بالتاريخ فلم تمت بموت كتابها- وهو الذي لم يسافر لبلدان أوروبا ولم يتكلم اللغات. لكن تميز أسلوبه الفذ بالشاعرية العالية التي أضفت على "المعاني شفافية والإحساس رهافة" حتى وصفه الناقدون أنه المؤلف النابغ الذي كتب بقلبه قبل قلمه. حيث استطاع إعادة صياغة القصة بجمالية فائقة، حمل بين حروفها إحساس الإنسانية وبث بين سطورها روحا دافئة وراعى في عمله البعد الإيماني فنقل النص الأصلي للوجدان العربي فلامس قلب القارئ قبل عقله.

"جزى الله الإيمان عنا خيرا، فلولاه لثقلت على عواتقنا هذه الهموم التي نعالجها، ولولاه لعجزنا عن أن نتنفس نفس الراحة الذي يعيننا على المسير في صحراء هذه الحياة القاحلة، فهو النجم الخافق الذي يلمع من حين إلى حين في سماء الليلة المظلمة المدلهمة فينير أرجائها، وهو الدوحة الفينانة التي يلجأ إليها المسافرون من حرور الصحراء وسمومها فيجد في ظلالها راحته وسكونه، وهو الجرعة الباردة التي يظفر بها الظامئ الهيمان فينقع بها غلته…" ص. 158

كما أنه لم يهتم فقط بنقل الرواية من لغة للغة عن طريق ترجمة جوفاء باردة. بل أبرز (ب"أسلوب برّاق متلألئ") القيم الإنسانية التي تتشارك فيها الأمم وتنزلها منزلة رفيعة كالعمل والإخلاص والحب والوفاء والتواضع والرحمة (فقلب يضمر الحب والعطف هو قلب طيب، فالاشقياء غير قادرين على الحنو)… وأطنب في تمجيدها لتأكيد الفكرة الأساس أن الأقوام ترتقي بالثبات على المبادئ لا باللهف وراء المصالح.

"فما بهما من حاجة إلى من يعلمهما أن الكذب حرام، لأنهما لا يكذبان، ولا أن السرقة جريمة، لأن جميع ما يقع تحت متناول يدهما ماك مشترك للجميع ليس أحد أولى به من الآخر ؛ ولا أن الجشع رذيلة، لأن ما يشتمل عليه كوخهما بسيط محدود لا يحتمل جشعا ولا نهما ؛ ولا أن البر بالوالدين واجب ؛ لأنهما كانا يعبدان أميهما عبادة هي فوق البر والإحسان ؛ ولا أن الصلاة فريضة، لأنهما وإن لم يذهبا إلى الكنيسة إلا قليلا، فقد كانا يصليان في كل أرض وفي كل جو : في البيت والمزرعة، والقمة والرابية، والسهل والجبل، وفي بكور الأيام أصائلها، وأوائل الليالي وأواخرها" ص. 31

وقد سلط الضوء هنا ومنذ الصفحات الأولى على لاإنسانية الحضارة الغربية القائمة على الاستعباد والخراب الذي يجلبه الاستعمار. ومحاولات المفسدين لإتلاف روح الفضيلة عن الشرفاء وتلويث بالهم الهانئ بوساوس شيطانية تنزع عن قلوبهم معاني الرضا والقناعة وراحة البال.

"هي إحدى الجزر الإفريقية الواقعة في المحيط الهندي على مقربة من جزيرة مدغشقر [...] وهي جزيرة قفراء بلقع ليس بها إلا قليل من السكان السود متفرقين في جبالها وغاباتها يستعبدهم بضعة أفراد من المهاجرين الأوروبيين النازلين بينهم، ويسخرونهم في حراثة الأرض واستنباتها واستخراج معادنها، واستنباط أمواهها وتقليم أشجارها، كما هو شأن المستعمرين الأوروبيين في جميع الأصقاع التي يعيشون فيها" ص. 9

في "الفضيلة"، وعلى لسان شيخ هارب من ضجيج المدينة، راض بكوخ بسيط وأرض خصبة يحرثها ويفلحها، تعينه قوته وتؤنسه وحدته (يقرأ من الكتب ما كتب العظماء لا ليرفهوا عن الناس حسب أهوائهم لكن ليكشفوا الغطاء برفق وهدوء عن وجه الحقيقة) مقاربة بين عالم المدنية والعزلة، البغضاء والمحبة، الشقاء والسعادة.  

"وما أتى المساء حتى وفد إلى الكوخ كاهن الحزيرة وهو رجل من أولئك الدعاة الماكرين الذي تستعين بهم الحكومات الاستعمارية على غزو القلوب الضعيفة وحيازتها بلا سفك دم، ولا إنفاق مال، والذين يكونون دائما في حاشية حكام المستعمرات ليعينوهم على ما هم آخذون بسبيله من الفتح والغزو" ص. 93

إن رواية "بول وفرجيني" لكتابها برناردين دي سان بيير حكاية تماسك اجتماعي وسلوك نبيل لا يزعزع يقينه الحسب والنسب بين أسرتين قبل أن تكون حكاية حب بين طفلين بريئين كبرا في مهد واحد واستحما في بركة واحدة ورضعا من ثدي واحد وحالت بين سعادتهما الفطرية مشاريع الثروة والجاه فكان البعد والغياب وبعدهما الموت والوداع. 

ففي طيات القصة المؤثرة فلسفة الحياة والشقاء، السعادة والموت، المعنى والإيمان، وأبدع المنفلوطي في وصف الصدق في الأدب والحياء كما الصدق في الرحمة والإحسان، وهو الذي أهدى كتابه للشباب (توفي بعد سنة من صدورها عام 1924)، ليستفيد كل من الفريقين من صفة الشجاعة والإقدام لدى الفتيان والحياء لدى الفتيات اذ هو جمال الفتاة الذي لا جمال لها سواه.

"وإذا سئلت فرجيني عن عمرها أجابت : قد أثمرت الكروم مذ ولدت أربع عشرة مؤة، وأشجار البرتقال ثمانيا وعشرين. وإذا سئل بول بكم يكبر فرجيني أجاب بمقدار ما بين النخلتين المائلتين على حافة النبع، كأن حياتهما متصلة بحياة النبات، أو كأنهما إلهان من آلهة الحقول التي تعيش بينها وترعاها". ص. 72

وكما كانت "تحت ظلال الزيزفون" مساحة العهد والحلم في "ماجدولين"، كانت البقعة "تحت ظلال الخيزران" رمزا للقاء والحديث "كحلم لذيذ ألم بالعيون الهاجعة ثم مضى سبيله" فأضحى قبرا لكل من فيرجيني وبول وفاءا لما كان.

Related Stories