الاستعمار ملة واحدة

وجهة نظرفلسطينمحمد بن عبد الكريم الخطابي

2/10/20251 min read

وكم كنت جميلة يا غزة.. حين أيقظ قربانك على مذبح النفاق و الكذب العالم من سباته... ووقعت بدماء جرحك النازف وصايا المحبة و الثبات و الرحمة و الرضا... فكنت بشبابك وشيبك، برجالك ونسائك، بصبيتك و بناتك، قرآنا يمشي على الارض و أصدق من ألف القلوب أفواجا و أرسخ الدين قيما. وكنت، أنت البقعة الصغيرة، إلهاما لكل البقاع البعيدة!

دراسة سيرة حياة وفكر المجاهد الكبير محمد بن عبد الكريم الخطابي تبرز في كل مناسبة مدى استثنائية هذه الشخصية التي قارعت الاحتلالين الفرنسي و الاسباني معطيا درسا في الإباء و مجرعا أعداءه الهزائم بالرغم من التفوق العددي و العتادي، فالسلاح الحقيقي، كما قال لا يستورد من هنا او من هناك بل ينبع من "العقل" و "القلب".

كما أن محاربة الظلم هي مهمة الرجال ذوو العزيمة لا اشباه الرجال! لتتخطى سمعة أسد الريف حدود الوطن و يصبح نموذجه التحرري تاريخا واقعا قيد الكتابة يجول العالم و يدرسه من عزم الثورة ضد الظلم كإرنستو تشي جيفارا بكوبا أو هو تشي منه في الفيتنام، مرورا بسوريا، حيث استطاعت انتصاراته التأثير في الثوريين السوريين من أمثال فوزي القاوقجي و شيخ المجاهدين عز الدين القسام.

وقد كان الشيخ عالما خطيبا، مسقط رأسه من جبلة تحديدا، أزهري التعليم، قوي الشخصية ذو بصيرة نافذة وفكر تنويري حاملا:

على عاتقه التوعية ضد الجهل والأمية والاستكانة، محذرا من خطر التقسيم للبلدان العربية

وعلى كتفه السلاح ضد المحتل، الغاصب لأرضنا و الناهب لثرواتنا ، الذي يدعي تمديننا ويحمل لنا وسائل الفناء.

ولأن الاستعمار ملة واحدة فقد ثار الشيخ عز الدين القسام ضد الاحتلال الفرنسي بسوريا والإيطالي بليبيا حيث التقى قامة كبيرة أخرى من طراز عمر المختار، قبل ان يودع اهله و يبيع بيته ليجهز نفسه لما ستكون آخر محطات جهاده بفلسطين ضد الاحتلال البريطاني. فحق فيه أنه غزى و جهز الغزاة و كان استشهاده مفجرا للثورة الكبرى في ١٩٣٦.

رجال عظماء، همهم تحرير الارض و الانسان، لا يضيعون البوصلة ومقاومة حرة بعضها من بعض، كالجسد الواحد، فشهد التاريخ أن التظاهرات خرجت في المغرب إثر ثورة البراق كما عمت اراضي الشام تظاهرات منددة بالاحتلال الاسباني للريف. فالحرب ضد الاستعمار وسيلة لتقريب الشعوب، كما دون الأمير* وهو الذي سبق نيلسون مانديلا باشواط حين صرح أن انتصار الاستعمار ولو في أقصى الأرض هزيمة لنا، وانتصار الحرية في أي مكان هو انتصار لنا.

وها قد شاهدنا بأعيينا كيف أن أحفاد شيخ المجاهدين في فلسطين حملوا فكره دون أن تخطأ بنادقهم الهدف أو تنجر لمعارك مفتعلة وإن كان فيها إدراك ثأر مستحق... فسلمت الراية من جيل لجيل دون أن تسقط.. إلى أن كان الطوفان.. شاهدنا كيف يكون التفكير بهدوء والضرب بقوة.. و أن العالم لا يحترمك إلا إذا أسندت الحق بالقوة. وكم كنت جميلة يا غزة.. حين أيقظ قربانك على مذبح النفاق و الكذب العالم من سباته... ووقعت بدماء جرحك النازف وصايا المحبة و الثبات و الرحمة و الرضا... فكنت بشبابك وشيبك، برجالك ونسائك، بصبيتك و بناتك، قرآنا يمشي على الارض و أصدق من ألف القلوب أفواجا و أرسخ الدين قيما. وكنت، أنت البقعة الصغيرة، إلهاما لكل البقاع البعيدة!

فكان لابد أن ينقموا عليك! ويراوغوا لطمس نورك الذي أضاء بالدم المسكوب عتمة العالم!

فاستدعوا جنود ظلامهم، صناعة أروقة الاستخبارات العالمية، ليخرجوا لنا بنموذج مقزز منفر للإسلام، و الإسلام، دين السلم و السلام، و الأمن و الأمان، منهم براء. فإما أن نفهمه على هذا الأساس أو نتركه! فالمسلم من سلم الناس من لسانه ويده!

فما بال البشرية تتقدم جماعة في حين يسقط البشر أيما سقوط فرادى؟ و بما ينفع تطور الإنسانية إن قابلها إنحطاط الإنسان؟ فمن حقنا أن نستغرب كيف "صفت الدنيا بالمقلوب" و عم الظلام و الظلاميون في ارض هي منبع النور؟ بلاد العقاد و قباني (المسرحي ابو خليل و الشاعر نزار) وحاتم علي؟

و هاهي حثالة الأمم من الذين يعبدون الله على حرف إن عبدوه.. بل هم عباد الطاغوت، شدوا الرحال لا لتحرير المسجد الأقصى (فهم لا يرون في قتال إسرائيل واجب بنص كتبهم) بل لتنفيذ حكم شخاخ الجور و الباطل! وهم عن علم أو جهل، أدوات سياسية لا عقائدية، وجب التصدي لهم - بالمعرفة والوعي أولا، لكي لا يغلب الجاهل في جهله- ففي ذلك تصد لمخططات قاتمة ستغير وجه المنطقة وتزيد على اغتصاب حقوقها المغتصبة اغتصابا!

*أمير الجهاد وهو اللقب الذي كان يستخدمه عند مراسلة الاوروبيين.

Related Stories