أخشى عليكم من يهود أمتي
تأملات


وبالمقابل نجد أن نتنياهو يتحفنا كل فينة و اخرى بأسماء توراتية لمعاركه و يحيط ترامب نفسه بيمينين متطرفين من الصهاينة الانجيليين وسابقا هرتزل اللاديني وظف الخرافات التلمودية لإنجاح مشروعه الصهيوني. و ها هي الثعالب برزت اليوم في ثياب الواعظينا يرشح بعضها بعضا لسلام المنافقينا!! لماذا يجب إذن على المسلم أن يتخلى عن هويته وصلابة معتقده؟
تعجبني في الكتاب الحكيم كماليته واهتمامه ببناء الإنسان، وكله كامل { مَّا فَرَّطۡنَا فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مِن شَیۡءࣲۚ }. فنجد مثلا في حقل طلب المشورة تكرار آيات { یَسۡـَٔلُونَكَ }... { قُلِ } للتأكيد على أن النصيحة تطلب وفن لا يتقنه الجميع لأن الأذن لا تكون دوما على إقبال : (إذا استنصحك فانصح له)!
وفي ذكرى اغتيال الكلمة (اغتيال غسان كنفاني) لا يزال القلم يقاوم، ولو لم يكن الأدب مقاومة وحلما لما أراقوا في سبيل قمعه الدماء. والمخاض الذي تعرفه المنطقة و شراسة الحملات التي تستهدف الأحرار فيها لهو دليل على مدى الفزع الذي يطال معسكر العدو.
فمثلا، ما نشهده من حملات شرسة تزامنا مع عاشوراء (مقابل يقظة و صحوة فريدتين في الفكر و التفكر تثلج القلب بشهادة الشهود) برهان أن الأمة التي ظلمت الحسين بن علي لم تخل، لم تمض! بل مازالت مستمرة و مازال اللعن في حقها واجبا!
فقد قال رسول الله "أخشى عليكم من يهود أمتي", و هو أعلم، أن من ترك عبادة الأصنام سيتجه لعبادة الأهواء، كما كان يعرف المنافقين و يطلع على سرائرهم "إن من أصحابي منافقين". فليس كل من شهد زمن الرسول عليه وعلى آله السلام يعد صحابيا، يجوز له ما جاز لغيره من رضوان الله. تماما كما ليس كل من حضر كربلاء يعد كربلائيا (مرتضى آويني).
وها هي ذي غزة شاهدة و شهيدة في عصرنا.. أنظروا من خانها.. من اعتقل المتظاهرين من أجلها.. من قطع الماء و الدواء و الغذاء بقرب منها... و من سير القوافل لنجدة أعدائها.
فالدولة التي اشترت الذمم وألبست الحق بالباطل وأفرغت الدين من جوهره وارتدت ثوب الرياء في عهد يزيد هي نفسها من ترتعد من فكرة "الهيهات" وتسعى جاهدة لصنع شباب مسلم "كيوت" لا يجد في التطبيع أي خيانة بل ويرى في مصافحة العدو حنكة سياسية. شباب ينأى بنفسه عن تبني الآراء و إحكام العقل و تحري التكليف الشرعي الإلهي، غارق في ملذات المادة و مسكرات الذهن تثقله الهموم الدنيوية!
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ"
هي الأمة نفسها المثمتلة في شيخ يعتلي المنبر ويكفر المقاومة و يصفهم بخارجين عن ولي أمرهم أو إرهابي يفجر الأسواق و الكنائس و المساجد على حد سواء باسم الدين و يقدم علانية فروض الطاعة لدى سلطان المال و سلطان السلاح و سلطان الكلمة المرجفة!!!
و في هذا الصدد تحديدا، الدم الذي أريق في الطف في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يوحد ولا يفرق، و لا يستثني أحدا! إلا من استثنى نفسه اختيارا و رغب عن ركوب السفينة!
فليبحث من سمع عن الحادثة مؤخرا عمن يحج لضريح الشهيد من مختلف الطوائف حول العالم من علماء دين سنة وقساوسة، و ليقرأ في سير الثائرين و العاشقين كيف اتخذوا من الحسين قدوة، ولير كيف أطعمت العوائل سنة و شيعة و نصارى الزوار و المعزين على حب ابن بنت رسول الله!
فلتنظروا لأنفسكم قبل أن تنظروا لغيركم!
انظروا من يسعى لخراب البلدان و تقسيمها و زعزعة أمنها ونهبها لتشييد الناطحات فوق الجماجم و بدماء الضعفاء؟
فوالله لا توجد بدعة أكثر من مهرجانات العهر و مواسم الفسق و لا مشاهد يندى لها الجبين كتلك التي تقوم بتشييئ و جنسنة النساء في حين أن كربلاء بذاتها تعلمنا أن للمرأة كما للرجل دور تبليغي و جهادي في معركة ينتصر فيها الدم على السيف ويتحول فيها موكب السبي المهين إلى موكب إباء و عظمة. فكما يقول السيد هاشم الحيدري "التكليف نعمة" فحيثما أرادهم الله كانوا ولم يروا إلا جميلا، لأن "رضا الله رضاهم أهل البيت"!
فالحق أحق أن يتبع وكفى بالمواقف "تمحيص" لمعادن الرجال تكشف الصادق منها و المتلون. فحزن "المجالس المدارس" يحيي الأنفس وبكاؤهم "السياسي" خرج أجيالا من الرفض و نبذ الظلم وطلب الحرية للجميع.
كما الامتثال لأمر رسول الله لا يكون انتقائيا و لا الإيمان ببعض كلام الله والكفر ببعضه.
فهل يوجد فيما يوجد في طاعة و حب محمد، خير الأولين و الآخرين خاتم النبيين و المرسلين، من ذكره و نوره رحمة للعالمين خير من أن تحب أهل بيته؟ و الآيات التي نزلت في فضلهم عديدة، أوضحها قولا "قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ". لكن هي سلامة القلب تولد الحب (فطريا) و لا تعمى الأبصار إنما تعمى القلوب التي في الصدرور.
أما المطالبة بدفن الماضي بحجة التحضر فكمن يسعى لاجتثات النبتة من جذورها و إخراج السمكة من مائها فتفقد الامتداد الطبيعي لنموها و يصير المرء في المجتمع كشمعة في مهب الريح دون خلفية او مرجعية.
وبالمقابل نجد أن نتنياهو يتحفنا كل فينة و اخرى بأسماء توراتية لمعاركه و يحيط ترامب نفسه بيمينين متطرفين من الصهاينة الانجيليين وسابقا هرتزل اللاديني وظف الخرافات التلمودية لإنجاح مشروعه الصهيوني. و ها هي الثعالب برزت اليوم في ثياب الواعظينا يرشح بعضها بعضا لسلام المنافقينا!!
لماذا يجب إذن على المسلم أن يتخلى عن هويته وصلابة معتقده؟
ولماذا يجاهر هؤلاء بالعداء الصريح للشيعة والرغبة في محاصرتهم و القضاء عليهم؟
ومن يرى في عاشوراء الحسين مجرد قاتل و مقتول (لهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا) و ينكر أو يجهل الموعظة المستمرة و الهدف السامي من وراءها، كما لا يفقه أن الظالمين أمثال يزيد و و عمر بن سعد أحياء بيننا، فمثله مثل الذي يقرأ التنزيل الحكيم لطلب الأجر بكل حرف من حروفه دون فهم معانيه و يستمع لقصص الأقوام السابقة دون أن يرى فيه تجليات الأنبياء من يونس ويوسف وابراهيم و موسى، فيكون كمن سفه نفسه!! و كالحمار يحمل أسفارا : فتحميل العلم يتوجب الوعي به من القلب أولا للعمل به بعدها.. وإلا حقت فيه خاتمة الآية : { وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ }
لكن الواقع أن الناس ترى في الحسين و زينب "أولاد علي" و لا ترى فيهم عترة النبي! و في هذا كل الفرق! و هنا تكون "نقاتلك بغضا منا لأبيك" أيضا شعارا و وعيا مستمرين { إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبࣲ سَلِیمࣲ }، لقوله عليه و على آله السلام "يا علي لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق".
