{1} كيف وهي فانية. دراسة في الطف
تأملاتكيف وهي فانية


فالمسلم، إذ يبدأ سنته باستحضار نهضة سيد شباب الجنة، يرسخ عميقا، أن الاصطفاف إلى جانب المستضعفين والوقوف في وجه الظلم لهو فلسفة حياة! وأن الله الذي خلقنا أحرارا يأبى لنا العيش بلا كرامة. والكرامة تسجلها كلمة! يسجلها موقف!
لعل الشخصية التي تجسد إلى أبعد حد النفس البشرية كما أراد الله لها أن تتدرج و تترقى إلى بلوغ مراتب العزم والثبات، هي شخصية موسى (ع). لذلك شغلت سيرة حياته أكبر حيز في الكتاب الحكيم.
وتعلمنا سورة الكهف كيف يمكن لنبي أن "يفشل" في اختبار (الصبر) و (الطاعة)، وأن عبدا صالحا لديه من العلم ما يفوق الظاهر!
فقبل { وَكَیۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرࣰا } أو ابتلاء العناية الإلهية المستترة عن النواظر، أمَّل موسى، وهو كليم الله، نفسه بالصبر و التحمل. بل لم يساروه أدنى شك في قدرته { قَالَ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ صَابِرࣰا وَلَاۤ أَعۡصِی لَكَ أَمۡرࣰا }
إلا أنها المواقف (الثلاث)!
فكان في عدم الطاعة فراق!
والفراق أحيانا يكون بين المرء ونصر محقق، كما كان في زمن الفتنة الكبرى وحرب صفين. فالخوارج الذين أرادوا الاحتكام للقرآن، في أوج المعركة، كانوا من عباد اليل ووصفوا بأصحاب الجباه السود، غير أنهم ممن عبد الله على حرف، أفرغوا الشعائر من معانيها واحتكموا بظاهر الأمور وأخذوا من المتشابه يحرفون به الجاهلين وكانوا مصداقا لقوله عز وجل "يضل به كثيرا". فلا قيمة لعلم ولا عمل لم يكن فناءا في طاعة الله تحت أوامر اوليائه، دون تمييز بين الحق و الباطل.
فخرجوا عن أمر أميرهم، الذي كان يستنهضهم للجهاد خاطبا فيهم "اطيعوني ساعة واعصوني الدهر كله" لعلمه بدهاء وحيل معسكر الباطل. وفي المقابل نجد تجلي الامتثال لأمر الولي في مالك الأشتر العائد مرغما وقد كان على باب خيمة معاوية!
يصف عبد الرزاق جبران هذه الحادثة في مقولته "أن مصاحف الإيمان التي رفعت في صفين هي التي جعلت الصدق يخسر وليست كتب الكفر!"
لذلك ظل الكذب ينخر في الأمة إلى حين وقوف الحسين بن علي وحيدا في فلاة كربلاء مرددا "هل من ناصر ينصرنا؟".
لا من ضعف أو عجز. فمذ بدل حجه عمرة وخرج من المدينة، كان يعلم أنه "لَن یُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ"، وأن المنحرف الخطير الذي وصل إليه الإسلام، فلا حق يعمل به، يظاهر بالفسق، ويخدع الناس بالصلاة للسكوت عن الباطل (أصبح الإيمان أقراصا للتنويم، يقول الدكتور شريعتي)... ما كان ليستقيم إلا بنهضة ظاهرها شهادة وسبي، وباطنها حفظ للدين وفتح!
بل كان نداؤه لزلزلة الناس من غفلتهم وإقامة الحجة عليهم! ولتعليمهم في ساحة الميدان لا من على المنبر، أن السكوت عن حاكم فاسد ظالم يأتي المنكر جهارا هو أمر "محرم".
وشاءت الأقدار أن تكون واقعة الطف في مستهل السنة الهجرية (كما بدأ العمل بها في السنة السادسة للهجرة بعد أن توسعت رقعة الدولة و صارت الحاجة للتوثيق، فأشارعلي بن أبي طالب على عمر بن الخطاب، ليكون التوثيق الإسلامي معتمدا على الهجرة لا البعثة. لأن الهجرة، حسب فكر علي شريعتي، هي التي أعطت البعثة معناها وواقعيتها، ومثلت التحول من الاضطهاد إلى الحرية، من الظلم إلى العدل، من الشرك إلى التوحيد).
وهو ما عمدته كربلاء بالدماء! فهي ليست واقعة تاريخية بل نهجا ومسارا.
فالمسلم، إذ يبدأ سنته باستحضار نهضة سيد شباب الجنة، يرسخ عميقا، أن الاصطفاف إلى جانب المستضعفين والوقوف في وجه الظلم لهو فلسفة حياة! وأن الله الذي خلقنا أحرارا يأبى لنا العيش بلا كرامة. والكرامة تسجلها كلمة! يسجلها موقف!
