{3} دراسة في ثلاثية النصر القرآنية
تأملاتثلاثية النصر


وما قوم طالوت إلا بشر كلهم، ثبت منهم من ثبت و تخلف غيرهم و ما كان ابتلاء النهر إلا رمزا للامتثال لطاعة ولي الأمر و العمل بالتكليف و لو على تستر حكمته. تماما "كصنع سفينة وسط الصحراء دون العلم المسبق بالطوفان".
ولما كان الصبر من مفاتيح الفلاح في الحياة، فمن باب أولى الإتيان به حين تمحص القلوب ويطول البلاء.
ويزخر الثرات الجميل بأدعية من قبيل "اللهم الصبر على طاعتك و الثبات على دينك" أو "الصبر على البلاء والثبات عنده". في إشارة لكون الصبر والثبات يشكلان عُدَّةُ المؤمن في :
تحمل الطاعات والشعائر التي قد يحمل في طيات القيام أو الامتناع عنها نوعا من المشقة ؛
والإلتزام في أدائها وضمان سيرورتها في الزمن مهما طال الاختبار، دون أطياف التحول أو الإنحراف.
ومن الثبات ما هو مطلق يربط به الله على قلب يخفق خوفا و ريبة، يمتنع به عن الخطأ، أو الطيش أو الضعف:
{ وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِی بِهِۦ لَوۡلَاۤ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ }
{ وَلَوۡلَاۤ أَن ثَبَّتۡنَـٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَیۡهِمۡ شَیۡـࣰٔا قَلِیلًا }
و ما هو خاص بالتقاء الجموع، وهو ما جاء في لفظ القرآن ب "ثبات الأقدام" ورسوخها حرفيا في الأرض. لذلك كان منتهى تكريم الله للمؤمن أن يغدو كرارا ليس بفرار ومقبلا غير مدبر، يفتح الله على يديه الحصون.
{وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}. ونرى كيف أن الثبات هنا مضاعف :
ثبات للأقدام تزول الجبال و لا يزل لا يولوا معه الأدبار،
وثبات النفس لزيادة اليقين (سَأُلْقِي : دخول السين لتأكيد الوعد وحصوله عاجلا غير آجل)
وما ثبات النَّفْس وصبرها إلا في طول النفَس لا تحصل معها زلزلة ولو طال الأمد.
فإدراك أن الله غالب على أمره ثبات.
ونفاذ البصيرة في عين إعصار الشك ثبات.
والتحلي بعزم شديد لا يلين رغم النوائب ثبات.
والقدرة على الإعراض عن المشتتات ثبات.
والتسليم الإلهي وعدم الاكثرات لمآلات المعارك في "ما أصابك لم يكن ليخطئك" قمة الثبات.
وكل هذا توفيق إلهي. وما قوم طالوت إلا بشر كلهم، ثبت منهم من ثبت و تخلف غيرهم و ما كان ابتلاء النهر إلا رمزا للامتثال لطاعة ولي الأمر و العمل بالتكليف و لو على تستر حكمته. تماما "كصنع سفينة وسط الصحراء دون العلم المسبق بالطوفان".
فالفئة التي تكمل الطريق :
بنفس اليقين
ونفس العقيدة
والإيمان بوعود الله هو نفسه الذي بدأت به المسير...
هاته الجماعة :
التي لا تبدل
لا تخون
لا تظن بالله الظنون
لا توجس خيفة
لا تستمع للحن القول
لا تنافق
لا تختلط نياتها
هي التي يكتب لها أن تشهد النصر!
لذلك كان التركيز في الدعاء على طلب الثبات سابقا لطلب النصر. وطلب النصر من منطلق الواثق الموقن بحصول النصر لا المرتاب.
فقد كان شعار أصحاب النبي محمد عليه وعلى آله السلام في بدر "يا منصور أمت" في طلب الموت للأعداء على يد المؤمنين المؤيدين بالنصر. و رمزية الشعار هنا أنه صفة محققة سلفا لا تحتمل الثنائية. فالتفاؤل بالنصر أوجب نصرا، و ما كان تأييد الله لهم بالملائكة { إِلَّا بُشۡرَىٰ }.
فكان حقا على الله أن يطمئن قلوب الذين خرجوا في طريق ذات الشوكة وهم له كارهون { كَأَنَّمَا یُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ یَنظُرُونَ } فأغاثهم وأمدهم بجنود مردفين و ثبت أقدامهم و أوحى إلى الملائكة { فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ۚ }. فغير كاف أن تكون على حق و أن تنصره و تتشبعه. بل أن تثبت. لأي مستوى؟ مستوى يصح فيك قول : و ما بدلوا تبديلا!
{ يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }. ذكر الله بذكر أسمائه واستدعاء "سلطانها" فهو:
العزيز ذو العزة
القوي ذو القوة
المبين ذو البيان
النصير ذو النصرة
المؤمن ذو الأمن والأمان.
