زمن الخيول البيضاء

فلسطينروايةأدب عربي

12/2/20241 min read

قبل ان تكون رواية ابراهيم نصر الله قصة شعب وأرض، كانت قصة حب وفرح وخيول وزيجات وقت حصاد الزيتون ودلايات القهوة في مضافة شيخ قرية هادئة اسمها "الهادية"... وهي رواية مؤلمة شأن الروايات الفلسطينية، لا لأن الكاتب يضفي عليها لون حزن الضحية متعمدا، بل لأن القارئ يعلم أي مصير ينتظر الشخصيات وأرضهم وذكرياتهم الفردية وذاكرتهم الجماعية. فهو على ميعاد مع نكبة شعب مستمرة

وأخيرا أصبح للفلسطينيين "إلياذتهم"! تلك الملحمة الاسطورية التي كانت النكبة بحاجتها لرسم المسار التاريخي ل ١٢٩ سنة من قبل : منذ أن بدأت الدولة العثمانية في التأرجح فأخذ كل شيء يتأرجح معها واصبحت مستعدة لفعل أي شيء للحصول على مال أكثر ورجال كمجندين. لكن، هل سبق وقرأتم، فعليا، قصة نبيل يمتطي مهرة أصيلة بيضاء؟ بطل هارب من أساطير الفرسان بمعنى الكلمة تتبعه الأنظار أينما حل؟

"هو يعلم، وأمه تعلم، وكل القرية تعرف، أن الحمامة قد احتلت مكان زوجته الراحلة، لكن الشيء الذي كانوا على يقين منه، هو أن الاشياء تجيء في وقتها، فالمطر يجيء في وقته، والشمس تشرق في وقتها و البرتقال ينضج في وقته وكذلك القمح، والفتاة تكبر في وقتها ويستعر دم الشاب شوقا للمرأة في وقته."

إن كان الجواب نفيا فزمن الخيول البيضاء، رواية أجيال على ثلاثة أجزاء تشبع هذا الفراغ. فخالد بكر الحاج محمود، ابن الهادية البار، رسم من خلال ثورته على ظلم محصلي الضرائب الأتراك، أسطورة تناقلتها الأجيال، وظل اسمه يردده الصغار تخيطه الأمهات لهم في حكايا قبل النوم. وهو الذي عرف بحبه وفقده لمن كانت أجمل من الشمس والقمر، وتقديره وإجلاله لفرسه الحرة الحمامة، يركع أمامها، يقبل قوائمها، تحاوره بدموعها ومن شدة التعلق بها وسباقه الريح على ظهرها تصبح مشيته مشية حصان.

"كانت تلك هي المرة الأخيرة التي ستشاهد فيها الحاج خالد أمامها، اللقاء الأخير المعمد بالدم، والمفتوح على المجهول. اللقاء الأخير الذي كان لا بد منه كي تصدق أنها فقدت خالد للأبد، كما أحس بأنه فقدها للأبد. كان ينظر إليها وهو يرى دم الشهيد يتدفق نهرا بينهما، نهرا لا يمكن لآدمي أن يستطيع تجاوزه."

فقبل ان تكون رواية ابراهيم نصر الله قصة شعب وأرض، كانت قصة حب وفرح وخيول وزيجات وقت حصاد الزيتون ودلايات القهوة في مضافة شيخ قرية هادئة اسمها "الهادية"... و هي رواية مؤلمة شأن الروايات الفلسطينية، لا لأن الكاتب يضفي عليها لون حزن الضحية متعمدا، بل لأن القارئ يعلم أي مصير ينتظر الشخصيات وأرضهم وذكرياتهم الفردية و ذاكرتهم الجماعية. فهو على ميعاد مع نكبة شعب "مستمرة".

"لا يمكن لأحد أن ينتصر إلى الابد، لم يحدث أبدا أن ظلت أمة منتصرة إلى الأبد... إنني لست خائفا من ان ينتصروا مرة وننهزم مرة أو ننتصر مرة وينهزموا مرة، أنا أخاف شيئا واحدا أن ننكسر إلى الأبد، لأن الذي ينكسر للأبد لا يمكن أن ينهض ثانية".

فخالد، المتيم، الفاقد، الفارس، الهائم على وجهه، المطارد من الأتراك، ابن شيخ الهادية (آخر الحصون) وشيخها من بعده، المقاوم، لم يكن يقاتل في ثورة ٣٦ أو سنة النكبة لكي ينتصر، بل لكي لا يضيع الحق. فصنع أسطورته بدم ونار، وكان أبرز "رمز" مجسد لمن يرفض أن يموت قبل أن يكون ندا شريفا، مقارنة مع بعض الشخصيات الوطنية التي تاجرت بالقضية وقبضت الثمن. فلم يكن للبنادق البريطانية التي أردته شهيدا إلا أن تطلق رصاصا في الهواء احتراما له.

"لم يكن ذلك يعني الكثير لأهل الهادية في تلك اللحظة، ولا لأصحاب البيت، فالبيوت تنسف كل يوم، لكن رجالا مثل الحاج خالد لا يجود بهم الزمان دائما."

قدم ابراهيم نصر الله في هذه الرواية الأخيرة من الملهاة الفلسطينية المترجمة للإنجليزية و الحاصلة على العديد من الجوائز مستوى فنيا راقيا يليق ب"استثنائية" ومظلومية الشعب الفلسطيني.

Related Stories