ويغفر ما دون ذلك
تأملات


العبادات كلها وسيلة لغايات سامية، وهي تحرير الإنسان. وإن جميع ما حرم من قبل الأديان ليس تضييقاً على الإنسان وإنما صيانة ورفعة له ومحاولة لحفظ سلامة النفس والفكر والجسد
حالة الهوان و العجز الذي وصلت إليه الأمة، تجعل المتأمل يخلص لفكرة أن الأمر يتعدى التشبت بالمصالح والثقة بالوعود الزائفة؛ أو الوهن الذي أنذر منه الرسول الأعظم في حديثه "وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقيل : وما الوهن يا رسول الله؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت".
فبؤرة الفساد في العالم لم تعش يوما بأخلاقية وأكثر ما تجيده الضرب تحت الحزام. فتعتمد سياسة الاغتيالات لمن يقف بوجه مشروعها ويقول "لا"، وتوقع في شراكها العنكبوتية من يقع، من أصغر جاسوس لأكبر صاحب قرار, يقف متفرجا أمام الإبادة لأنهم "ماسكين عليهم ذلة".
فالغرب يعلم أنه لا يستطيع الفوز بنزاهة لذلك هو لا يحارب بطريقة نزيهة (1). وليس منهم متخف أو مدع. فأفلامهم وفضائحهم تشرح لنا ماهية أدواتهم وتعرفنا طينتهم الشيطانية التي تزلزل العروش وتطيح بالامبراطوريات.
فالهوى نقطة ضعف الجميع والثغرة التي يدخل منها العدو ولا يحرسها عقل ولا يشفع معها حسن سيرة أو سلوك.
وهذه أبعد أن تكون عظة : من كان منكم بلا ذنب فليرجمها (السيد المسيح).
فكلنا مخطئون، وكلنا مذنبون. لكننا انتقائيون في ذنوبنا فنختار ما يريحنا ونحكم على الناس في تلك التي تزعجنا (2)
وكما قال قائل : أنا لست صالحا، أنا مستور (3) فملفات ذنوبنا لا تزال معروضة أمام الله والفوز الحقيقي إنما يكون بعد العرض.
...بل هي تذكرة، بأنه لا يصح إلا الصحيح.
إن لم يكن لمعالجة التقصير في الدين فليكن لوضع الآصار والأغلال المكبلة في الدنيا.
لا لأن الله "أهون الناظرين وأخف المطلعين" بل لأنك يا رب "خَيْرُ السَّاتِرِينَ وَأَحْكَمُ الحاكِمِينَ وَأَكْرَمُ الاَكْرَمِينَ، سَتَّارُ العُيُوبِ غَفَّارُ الذُّنُوبِ عَلامُ الغُيُوبِ، تَسْتُرُ الذَّنْبَ بِكَرَمِكَ وَتُؤَخِّرُ العُقُوبَةَ بِحِلْمِكَ" (4)
إنما الأديان لخدمة الإنسان. فالله خالق النفس ومصور الجسد عالم بخباياها وسرائرها، بتناقضاتها وصراعاتها، بظلالها وأنوارها، بقوتها وضعفها { وَنَفۡسࣲ وَمَا سَواهَا* فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَاهَا* قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّاهَا } (5).
والعبادات كلها وسيلة لغايات سامية، وهي تحرير الإنسان.
وإن جميع ما حرم من قبل الأديان ليس تضييقاً على الإنسان وإنما صيانة ورفعة له ومحاولة لحفظ سلامة النفس والفكر والجسد (6) وكما قال سيد الشهداء "إن لم يكن لكم دين، فكونوا أحرارا في دنياكم"
ولأن الله { یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ } (7) ومن { یَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِ إِلَّا ٱلضَّاۤلُّونَ } (8) تعين علينا تكبير الذنب قبل الإتيان به وتعظيم مغفرة الله بعد الوقوع فيه (9).
لأن النفس مجبولة على حب الهوى (10) وما الاستقامة و الثبات إلا نتاج المجاهدة عبر الزمن باستمرار. فالقافلة سائرة في الطريق، وإن كانت لا تستقبل المذنبين، فإنها تستقبل النادمين! (11)
وفي هذا الحقل يتردد صدى كلمات "اجتنبوا مواضع التهم" للإمام الخميني في وصيته للشباب. إذ من بين المواضع ما يخص الأماكن أو الظروف أو رفقة الأصحاب وما لسلوك الانصراف والابتعاد من درء للشبهة وصيانة للسمعة.
والملفت في النصيحة المعنى القرآني للفظ "اجتنبوا"، حيث استعملت كفصل وحد بين الإنسان وأمور شائعة في مجتمعه (مثال : كثيرا من الظن وقول الزور). كالمطبات في السبيل يمكن للمرء مصادفتها في طريقه و "يتحاشاها" بيقظة وحرص.
عكس (لا تقربوا)، وهو عمل إرادي "تقصده في مظانه" (12) ولا تراه صدفة (كمال اليتيم أو الفحشاء).
وما الحدود إلا للتحرر من القيود. فأن تحيا حرا تضمن فيما تضمن أنك حر لا تبتز و لا تشترى!
1- الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين 2- شمس الدين التبريزي 3- أحمد الشقيري 4- دعاء أبي حمزة الثمالي 5- سورة الشمس 6- الإمام موسى الصدر 7- سورة الزمر 8- سورة الحجر 9- الدكتور أحمد عمارة 10- ابن الجوزي 11- مرتضى آويني 12- الدكتور محمد شحرور
