وداعا طليطلة
روايةالأندلسمحمود ماهر


الرواية التي بدأت فصولها بتطاحن أبناء فرديناند ملك قشتالة حول الحكم، سافرت بنا بين ربوع وصراعات إمارات الجزيرة في القرن 11. وهي ثالث رواية لمحمود ماهر، الباحث المتخصص في التاريخ الأندلسي، بعد فجر إيبيرية و ربيع الأندلس : روايات مترابطة في أحداثها وزمانها وتقدم رؤية شاملة ومتكاملة
ليست كل الروايات الأندلسية بكاءا على الأطلال ولا رثاء الممالك الزائلة. بل في طياتها عبر لمن أراد العبرة، وحلقات تاريخ لا يقرأ، فينسى، ليتجرع الغافلون من نفس كأس الخيبات والأخطاء والندامات حيث لا ينفع الندم.
"المال هو عصب الدولة وعمادها، به نجهز الحيوش، ونصنع الأسلحة، ونشتري الذمم، ونحدث الفتن، على أنه ليس غايتنا في النهاية، ولكنه الوسيلة لصنع ما نريد إذ يجب قبل أن نخضعهم، أن نستنزف أموالهم وأقواتهم، فتفقر شعوبهم وتتمنى زوالهم، ومن كرهه شعبه، هان على عدوه" ص. 31
هنا، يفصل الكاتب كيف ينخر السوس الأساس وينتشر المرض الخبيث في الجسد بصمت، وبطء وتؤدة.
"مرحلة تتبعها مراحل، فإن سلبنا أموالهم، أضعفناهم فوق ضعفهم، وزرعنا الشقاق في نفوس شعوبهم، إذ إنه سيفرض عليهم الضرائب والمكوث لتلبية ما نريد، فيتذمرون ويثورون على حكامهم، وحينها يعلم الحكام أن جيش مملكتنا وحده من يستطيع حفظ كراسيهم وعروشهم" ص. 32
وداعا طليطلة الرواية التي بدأت فصولها بتطاحن أبناء فرديناند ملك قشتالة حول الحكم، سافرت بنا بين ربوع وصراعات إمارات الجزيرة في القرن 11. وهي ثالث رواية ل محمود ماهر، الباحث المتخصص في التاريخ الأندلسي، بعد فجر إيبيرية و ربيع الأندلس : روايات مترابطة في أحداثها وزمانها وتقدم رؤية شاملة ومتكاملة.
"ولبث المعتمد بن عباد وهو أولى وأقرب من تقع عليه تبعة الإنجاد، يشهد تفاقم الخطب جامدا معرضا، وكل همه أن يحتفظ بما انتزعه من أراضي مملكة "طليطلة" الجنوبية، وحذا حذوه ملوك الطوائف فكان موقفا يثير الألم والحسرة معا : خضعوا لوعيد ملك قشتالة، وتعهدوا بأن يؤدوا له الجزية، منغمسين بملذاتهم وفسادهم، يحاربون إخوانهم، ويستخدمون المرتزقة من النصارى لحماية عروشهم التي تزعزعت، بعد أن فقدوا الأمل في شعوبهم ورعاياهم بسبب ظلمهم وجورهم وتعسفهم، وقد جعل الله بينهم من التنافس والتدابر والتقاطع والتحاسد والغيرة ما لم يجعله بين الضرائر المترفات والعشائر المتغايرات" ص. 223
لكن هو ليس بالسفر البعيد. فما أشبه اليوم بالبارحة.
فكما أن دأب الأعداء واحد. فاستهتار الحكام بحال الأمة والدين، واهتمام كل ملك بشأنه وسلامه ساهم في استعار نار الفتن وبدء مرحلة تفكك الطوائف تباعا، لا تشفع لهم جزيتهم ولا تقيهم عهودهم. فطليطلة بوابة الشمس، جوهرة الأندلس الثمينة، واسطة العقد الذي انفرط، كانت الحصن الذي سعى "ألفونس" لامتلاكه وامتلاك غيره من بعده. فهيأ أجواء السقوط من تآمر وخيانة ومهد لتنفيذ مشروعه الذي لم يجرؤ أحد أن يقف في طريقه!
"وكل واحد منهم لا يسل في الذب عن نفسه سيفا، ولا يرفع عن رعيته ضيما ولا حيفا، قد أظهروا الفسوق والعصيان واعتكفوا على المغاني والعيدان؟" ص. 274
أسلوب الكاتب مميز ومشوق، ناضج وذكي، نسج من المراسلات والمرويات والأشعار والكتب لا من الخيال حكاية تروى على لسان شخصيات مختلفة عمقت الجانب الإنساني للرواية. خصوصا من خلال مشاعر الحنين والظلم وبذل الجهد لنصرة الحق والدين. كما يلمس القارئ جليا مرارة ضياع العلم والمهارات. فقد سلط الضوء على الدور الذي قام به اليهود خصوصا في سرقة وترجمة الكتب.
"ولكن يحتاج ذلك الكثير من الوقت والمال، أما المال فلشراء الذمم والكتب، وأنا الوقت فللقضاء على أصول الكتب المترجمة حتى لا يكون لها أصل سوى ما نملكه، فلا يأتي الزمان ويقول مسلم : هذه علومنا. إن هدم الأمم يبدأ بنشر الجهل فيها، وبتحطيم الهمم، ولم تحطم همة هؤلاء وهم يملكون تلك العلوم، فمن يملك العلوم سيسود ولو بعد حين، فما النصر العسكري بالقاهر ما لم تصحبه قوة حضارية ضخمة توازيه" ص. 226
تنتهي "وداعا طليطلة" بفصل مشرف وسط الانحدار ألا وهو معركة الزلاقة بقيادة الأمير يوسف بن تاشفين الذي أبحر مجيبا دعوة المعتمد بن عباد وجيش أندلسي من مختلف الطوائف وألحقوا الهزيمة بالجيش الصليبي.
"وفي نهار يوم رائق رفرف على شاطئ الجزيرة الخضراء مئة شراع يعبث بها النسيم، وتتخايل فوقها الرايات، وكانت السفن تعج بالمجاهدين من قبائل البربر، وعرب زناته، وتزخر بالخيل والجمال، ومعدات القتال :فكان الصهيل فيها يختلط بالهدير، وأصوات المقاتلين تمتزج بصليل السيوف وقعقعة الرماح، والركاب فوقها في حركة دائبة وضوضاء صاخبة" ص. 312
وكما كتب الروائي في بحر الظلمات "تتغيرالجغرافيا وتشيخ الحضارات وتولد دول وتنتهي أخرى ويظل التاريخ شاهدا لك أو عليك يذكرك بما كان من بداية أمرك".
