و كان النفاق جميلا
أدب عربيفلسفة


هل كان يفكر الدكتور خالد غطاس في قصة "الغريب والسائد" حين كتب أنه يريد إضافة الفكر لأفكارنا والإنسانية لإنسانيتنا، لكي يغير الدنيا؟ ولو بدى الفطري غريبا والشاذ سائدا؟ أو في قصة "سيناريوهين" لإضافة الحياة في حياتنا؟
ولماذا قد يرغب المرء في تغيبر الدنيا من الأساس؟ إذا كان اندماجه بكل جوارحه وانقضاضه بكيانه كله على الحياة يقضمها سيؤدي به، في ظل انعدام المعنى، إلى "وحدة من وحدتين"، أو يؤرقه في نهاية المطاف شعور الحنين ل "مرتع الجبلاوي" …
"إنك يا عزيزي مزيج الشرق والغرب والدين والعلم والفن والحب والجرح والطفولة والحزن والصداقات. إنك، بما تمثل، كلوحة فسيفاء ترى عن بعد، ولست أنت فتات الحصى الصغير الذي يشكلها عن قرب، فلا تمعن التفكير في مصادر الحصى وتدع جمال اللوحة يفوتك" ص. 27
ألا يكفي بنو البشر أن يتخلوا مثلا عن "رفاهية الشك" ويسمحوا لنور الله أن يسكنهم، ليرتقوا بفكرهم عن "سخافة تفاصيل" ما نسميه الحياة، ليغيروا من ذواتهم، فتتغير الدنيا تلقائيا من حولهم؟
إن ما سبق من تساؤلات هو بالضبط ما حذر منه المؤلف في تمهيد "بين الغرور والغباء"، الذي يعتبر بحد ذاته نصا فلسفيا إضافة إلى رواياته الست، ما ذكر منها أو غيرها.
إذ أكد الدكتور والكاتب خالد غطاس أن وكان النفاق جميلا لا يقدم إجابات شافية واضحة صريحة، تساعد في فهم أمر أو الوصول إلى هدف. بل إن تناول قضايا تعمقت بما فيه الكفاية لتصبح معضلات مجتمعية منح الرخصة "للأسئلة أن تتسرب بين تصدعات الأجوبة التي تدعي امتلاك الحقيقة وتدعي الصلابة". لأن البشرية وتطورها حسب قول الفيلسوف الطيب بوعزة مدينة للأسئلة أكثر منها للأجوبة.
"يدرك المرء متأخرا أن الأجوبة الأكيدة الصارمة تحد العقل وتحاصر الحقيقة في حين تفتح الأسئلة عنان الفكر وتمنح فرصا أعلى للوصول للحقائق أكثر اكتمالا" ص.14
والمسألة هنا ليست جدالات فلسفية وجودية ولا حتى جلسات نفسية. كل ما في الأمر ببساطة هو "توظيف شغف نشر رؤى وأفكار" المؤلف -كما اعتدنا سماع سردها منه لأنه يجيدها ولأن "الناس يستمعون إلى قلب إنسان عادي تائه محب يبحث معهم بصدق في مشاعرهم"- إلى قصص يسلط من خلال أبطالها الضوء على محطات حياتية فارقة وترتبط جميعها في عنصرها الفذ، الإنسان.
"إن الذاكرة نزهة العقل في الماضي، والخيال نزهته في المستقبل، وكلاهما بعيد كل البعد عن الكمال. إن عقولنا أنفسها لا تنطلق في نزهاتها إلا من الحاضر، وهنا يكمن القصور. فهي تنفذ خارج الزمن من قلب الآن وبذلك تعجز أن تعطي صورة مكتملة من نفس زمن الصورة الذهنية المستقبلية" ص. 124
فهو تارة سجين جيلين، يجيد لعبة التظاهر، يهرب من سرد ذكريات لا تعنيه إلى عالمه الافتراضي، وتارة صبي تملؤه براءة وغباء الطفولة يخشى رؤية الله خشية الامتلاء، وبين هذه وتلك يقود الحب والخيال ومشاعر شتى رقصة البحث عن الحقيقة، حيث البحث هنا يصبح حجة "لتبرير الأخطاء".
