تنزيل وانزال القران
تأملات


نعلم أن التنزيل، النقل المادي عن طريق الوحي بواسطة جبريل (شديد القوى) قد تم على مدار ٢٣ سنة، لحكمة ربانية {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتله ترتيلا} سواء عن أمور سأل عنها النبي الرسول أو لم يسأل، لأنه حتمي الوقوع {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين یُنَزَّلُ القرآن تبد لكم}
أما الإنزال فحدث دفعة واحدة في ليلة هي في العلم المطلق لله خارج الزمان والمكان. وبربط
{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن}
{إنا أنزلناه في ليلة مباركة}
{إنا أنزلناه في ليلة القدر}
نستخلص أن القرآن، كله (هاء الكناية)، أنزل في ليلة، تقع في شهر رمضان تسمى بليلة القدر تم "إشهاره" فيها
وبما أن الإنزال هو تحويل الشيء من غير المدرك للمدرك. فكيف تمت هذه العملية؟
{وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد}
أي أن القرآن كان له وجود "غير عربي" بصيغة مبهمة هي في علم الله (فهو سبحانه لا عربي ولا أعجمي) غير قابلة للإدراك الإنساني، فتمت "ترجمته" إلى صيغة لغوية :
عربية {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}
منطوقة {وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى*علمه شديد القوى}
الذكر
النطق عملية صوتية حركية، وحين يتحول إلى معنى (عملية ذهنية) يصبح "المنطوق" قولا
{فتبسم ضاحكا من قولها}
{سنلقي عليك قولا ثقيلا}
وهو ما يأتي تحت مصطلح "الذكر"
{ص والقرآن ذي الذكر}
فالذكر ليس مرادفا بل صفة
وهي الصيغة اللسانية الصوتية للكتاب كله، بما فيها الرسالة والأحكام شمل بين التنزيل والإنزال :
{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّلَ إليهم}
{ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة}
{وكذلك أنزلناه حكما عربيا}
وهي الصيغة التعبدية أيضا، فالصلاة مثلا لا تكون بقراءة ترجمات السور للغات ثانية بل بألفاظه العربية سواء أفهم المصلي أم لم يفهم.
وهذا الشق الذي تعهد الله بحفظه دون زيادة أو نقصان
{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}
ولم يتعهد بحفظ الأحكام ولا فهم القرآن
{وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا}
إذن لتحقق الإنزال ينبغي :
الوجود المسبق للشيء
فك شفرته بغرض الإدراك من طرف المتلقي
إزالة جوانب الإبهام فيه
الجعل
وبالعودة للمخطط الطوبوغرافي للجبل، ينبغي أولا تواجد الجبل.
فالمعرفة والتعرف تتطلب الوجود المسبق قبل التنزيل والإنزال
وهذا هو "الجعل"، أي تغيير في الصيرورة
{إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون}
فالجعل يفترض وجودا سابقا
{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما}
{إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل}
نفهم أن للقرآن وجود أصلي
{إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون}
{في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة * كرام بررة}
ولا ينبغي إطلاقا أن نقول أن الذي بين أيدينا، مصحف من حبر وورق وجلد، هو النسخة الأصلية للقرآن
وقد تم "قرن" :
️ الجزء الثابت من القوانين العامة الناظمة للوجود،
من خلق الكون
وقوانين التطور
وتغير وهلاك الأشياء
حتى الساعة
ونفخة الصور
والبعث
والجنة
والنار.
جزء ثابت لا يتغير من أجل أحد وليس مناط الدعاء الإنساني {لا مبدل لكلماته}
وهذا الجزء موجود في (اللوح المحفوظ)
{بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ}
️ مع الجزء المتغير المأخوذ من (الإمام المبين)
لقوله تعالى
{إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}
ويحتوي على :
أحداث وقوانين الطبيعة الجزئية، في حركتها الكيميائية أو الميكانيكية أو الحجم والمقدار، مثل تصريف الرياح واختلاف الألوان وهبة الذكور والإناث والمرض والصحة والرزق. جزء متعلق بالمعرفة الإنسانية بالطبيعة وهو مناط العلوم من طب وفلك وهندسة وفيزياء، دون الخروج عن القانون الإلهي العام
أحداث وأفعال الإنسان بعد وقوعها، وتمت فيه أرشفة خط تطور التاريخ الإنساني الواعي، وفيها تفاعل الإنسان مع القانون العام للوجود والقوانين الجزئية من جهة، وكيف طور معارفه مع النبوات والتشريع في الرسالات. فالتاريخ الإنساني بمجمله معرفة وتشريع، وما نتج عنه من نتاج مادي وعلاقات حضارية. وهو ما سمي ب(أحسن القصص)
{نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين}
خلاصة : تم نقل القرآن من عالم الغيب إلى عالم الشهادة عبر تلازم الجعل والإنزال ليصبح داخل مدركات الإنسان بلسان عربي مفهوم في ليلة هي في علم الله المطلق حصلت خارج الزمان والمكان، ثم تنزيله ماديا عن طريق الوحي على مدار ثلاث وعشرين سنة على قلب (الذي يعقل) الرسول الأعظم.
{وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين وإنه لفي زبر الأولين أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماؤا بني إسرائيل ولو نزلناه على بعض الأعجمين * فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين}
