تفصيل ثانوي

فلسطينرواية

7/7/20251 min read

هل تنطلي عليك خدعة العرب الذين يثأرون لشرفهم ويرمون بفتياتهم في الآبار، أم ترغب في الصراخ أنها جريمة متعددة الأركان وليس مجرد حدث صغير تائه بين فضائع أحداث النكبة الكبرى؟ وأن تاريخ وقوعه يتعدا كونه مجرد تفصيل ثانوي.

“عمل فني مُحكم يحكي عن سطوة الحدود، وما تفعله الصراعات الدموية في البشر”

هذا ما ورد في قرار لجنة تحكيم جائزة LiBeraturpreis الألمانية لرواية عدنية شلبي لعام 2023 قبل أن يتم سحب التكريم لتزامن معرض فرانكفورت مع طوفان الاقصى. مما جعل الرواية تحظى بمطالعة وافية من طرف القراء حول العالم، على الرغم من التعاطي المختلف للكاتبة وتناولها غير المعتاد.

فهنا لا انحياز.

لا غضب.

لا خطاب سياسي.

لا محاكمة للجنود.

لا اعتراض على الحكاية كما يرويها العدو

لا امتعاض من كثرة الحواجز التي تعرقل حياة الفلسطيني اليومية، أو فصل البطاقات والامتيازات حسب ألوانها.

لا حنق على الجدار أو الخرائط التي تبرز المنتزهات فيها مكان القرى الفلسطينية المقتول والمهجر أهلها...

"بعدها ألتقط الخريطة التي نصف البلاد حتى عام ١٩٤٨، لكنني أغلقها بسرعة إذ يجتاحني الفزع، فالقرى الفلسطينية التي يبدو أن البحر الأصفر البادي في الخريطة الإسرائيلية قد ابتلعها تماما، تظهر في هذه الخريطة بالعشرات، أسماؤها تريد القفز من فوق الورق نحوي." ص. ٩٧

هنا، الرواية التي كتبت على مدار ١٢ سنة، دعوة مفتوحة لتبني الموقف. فهل ترى في مستوطني "نيريم" أناسا لطفاء يقدمون يد العون أم اللطافة تتجلى في زملاء "العمل الجديد" في رام الله.

هل تقتنع حقا أن للفتاة البدوية، التي تناوب الجنود على اغتصابها، رائحة نتنة رغم حمام الوقود والماء الذي تسلل بين حبات رمل صحراء النقب، أم هو انعكاس في لاوعي قائد الكتيبة المستعمر، المهووس بالماء والصابون وورم ساقه المتعفن؟

هل تنطلي عليك خدعة العرب الذين يثأرون لشرفهم ويرمون بفتياتهم في الآبار، أم ترغب في الصراخ أنها جريمة متعددة الأركان وليس مجرد حدث صغير تائه بين فضائع أحداث النكبة الكبرى؟ وأن تاريخ وقوعه يتعدا كونه مجرد تفصيل ثانوي.

وإن صدرت سنة 2017 كنسخة أولى، إلا أن صدى الانفجارات في رفح واستعدادات أرتال الدبابات لاقتحام غزة تباغتك وسط هذا السرد الهادئ المعتمد من طرف الكاتبة، والذي لا يخلو ضمنيا من إفشاء لصراعات نفسية تختلج الشخصيات.

"أواصل الانصات بتيقظ إلى أصوات الانفجارات المتكررة، التي تقودني إلى إحساس غامض بالقرب من غزة، يتخلله التوق لسماع صوت القصف عن كثب، وتحسس ذرات غبار المباني التي يجري تفجيرها، وراح غيابها الآن يشعرني بمدى بعدي السحيق عن كل ما هو معهود"./"أتجه نحو المبنى الاسمنتي الذي استقبلني ثانية بعبارة : ليس المدفع الذي ينتصر، إنما الإنسان، ثم أصعد درجه. من سطحه، تلوح رفح ثانية وعي تتحدى الأفق، يتصاعد منها هذا الصباح بهدوء دخان القصف، قبل أن يتلاشى داخل زرقة السماء الباهتة، التي كادت أن تتماهى مع رمادية الجدار الذي أخفى غالبية بيوت المدينة خلفه. هنالك بعض زملاء في عملي الجديد، قادمون من رفح ومن مناطق أخرى في غزة. فأدع عيني تمتصان ما يظهر أمامهما من مشهد لأجل هؤلاء الزملاء، الذين ما برحوا منذ أعوام عديدة بانتظار تصريح ما يجيز لهم زيارته". ص. ١١٦-١١٧

رواية من جزئين مع شخصيتين أساسيتين، وفتاة و كلب! حيث لا مكان للحوارات أو للأسماء حتى. وبخلاف الكثيرين، لا أدري لما رأيت في النهاية المفاجئة حيث الإيقاع المتسارع يتدارك صفحات من لغة متأنية يكاد يسمع فيها صوت ليل الصحراء الصامت و يزيد الجفاف والحرارة من ثقل جوها) إعادة تصوير للحكاية برمتها، لو لم يحدث كل هذا! عندها لا جمال تموت "وفي فمها ضمة أعشاب مقلوعة من جذورها" ولا فتاة تخطف وتساق لسقيفة المخيم، بل تكبر وتصبح عجوزا رأسها ملفوف بعثبة سوداء بمثل سواد ثوبها وتجاعيدها حادة...

Related Stories