شآبيب
روايةأدب عربيفلسطينأحمد خالد توفيق


إسقاط واضح الملامح على نشأة الكيان الصهيوني وترحيب الغرب بفكرة المشروع التي تقضي بالإنقاذ والإبعاد في آن واحد؛ وكيف ساعدت أمريكا كقوة عالمية عظمى مستندة على "وعد جوناثان" (مقابل وعد بلفور) -وهو بالمناسبة كتاب من سلسلة "فانتازيا" صادرة سنة ١٩٩٥ طور الكاتب من شخصياتها بعمق أكثر في شآبيب في لوحات فنية متنقلة بين النرويج، ليبيريا، مصر والولايات المتحدة، مبرزا في كل واحدة المحيط المعادي لشخصية سليم أو أمينة أو محمد ونوع الاضطهاد الذي تتعرض له والذي من شأنه التأثير في قرار الرحيل لخوض تجربة الخلاص.
"العروس جميلة،(مستوفية لكل الشروط) لكنها متزوجة!"
عبارة جاءت مشفرة في نص برقية بعثت في القرن الماضي، حين وقع الإختيار على فلسطين لتكون وطنا قوميا لليهود، و نتج عنها إحدى الكوارث الإنسانية الممتدة إلى اليوم. فهذه العبارة تنفي الدعاية التي روجت لكونها أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض، فتوجب بقوة النار والسلاح طرد أو إبادة الشعب الأصلي لتوطين يهود أوروبا. أعيد تناول هذه العبارة في منتصف روايتنا لليوم، غير أن شآبيب ليست رواية عن القضية الفلسطينية، أو على أقل تقدير ليست بالصيغة المعتادة للطرح العربي كما تناولها أدباء من قبل.
تدور أحداث الرواية الأخيرة للراحل أحمد خالد توفيق في جزيرة بابوا غينيا الجديدة، بقعة نائية من الأوقيانوسية، اختارها أستاذ في جامعة هارفارد لتصبح أرض ميعاد للعرب الذين ضاقت بهم سبل العيش في كل من أمريكا وأوروبا وحتى بلدان إفريقيا جنوب الصحراء واستحال اندماجهم مع المجتمعات الحاضنة. فالعرب أصبحوا يهود العصر الحديث وصار الخلاص منهم مطلبا شبه عالمي. فبالرغم من إرثهم الإنساني والفكري المجيد إلا أن عرب الشتات أصبحوا منبوذين، منعزلين في جيتوات، تحاصرهم أجواء القمع والكراهية.
"ثمة قوم لا يريدون الحياة ولا تريدهم الحياة". بعد هذا تعلمت أنه ثمة قوم لا يريدون بلادهم ولا تريدهم بلادهم. في البداية أنت تقاوم. تبكي.. تتمسك بثدي البلاد محاولا أن تظفر بقطرات. لكنك في كل مرة تتلقى ركلة قاسية، وفي النهاية تتعلم أن تكره أمك. تتعلم كيف لا تطيق وطنك، وكيف يضيق عليك بينما يتسع العالم الخارجي." ص. ٦٦
مقنعا نفسه أنه الشخص المناسب في الوقت المناسب لإنجاز المهمة المناسبة، يستعين الأستاذ العربي "مكرم" بكاتب ومدقق أديان ليحيكا "تاريخا مزيفا" عن وجود قديم للعرب منذ العباسيين على سطح جزيرة في المحيط الهادي، كحيلة وجدانية تحميسية ترمي لإقناعهم بأحقية العرب (في تذكير جلي لبعض الأساطير المؤسسة لإسرائيل) في أرض يقطنها سكان أصليون، سيتوجب فيما بعد استمالتهم تارة بالقوى الناعمة لضمان ولائهم وتارة إبادتهم لتكون الجزيرة ملكا خالصا للوافدين الجدد.
"كانت فلسطين أرضا مسالمة من زارعي أشجار الزيتون والبرتقال المسالمين، ثم غرستم في جسدها خنجركم. ويجب أن نذكر أن كل تفاعلات المنطقة وكل هذه الحمى ومحاولات الجسد السقيم لطرد جسم غريب...منذ غرست إسرائيل لم تكف المنطقة عن الاضطراب. أنتم من صنع المهاجرين، وأنتم من صنع الإرهاب، وأنتم من أدى لعودة فكرة الدولة الدينية.." ص. ١٣٦
إسقاط واضح الملامح على نشأة الكيان الصهيوني وترحيب الغرب بفكرة المشروع التي تقضي بالإنقاذ والإبعاد في آن واحد؛ وكيف ساعدت أمريكا كقوة عالمية عظمى مستندة على "وعد جوناثان" (مقابل وعد بلفور) -وهو بالمناسبة كتاب من سلسلة "فانتازيا" صادرة سنة ١٩٩٥ طور الكاتب من شخصياتها بعمق أكثر في شآبيب في لوحات فنية متنقلة بين النرويج، ليبيريا، مصر والولايات المتحدة، مبرزا في كل واحدة المحيط المعادي لشخصية سليم أو أمينة أو محمد ونوع الاضطهاد الذي تتعرض له والذي من شأنه التأثير في قرار الرحيل لخوض تجربة الخلاص. والخلاص هنا يأتي في سمة استعمار إحلالي يسقط عن أصحاب الأرض صفة الإنسان بوصفه "نصف شيطان" أو "نصف طفل" لتبرير "التطهير" و"التطهر".
"تعلمت أن الاستعمار الإحلالي يورث القسوة والعنصرية... إنشاء دولة على بقايا مجتمع آخر عملية جراحية لا تتطلب أي قدر من الرحمة." ص. ٣٢٧
هي إذن دولة وليدة يجب إنشائها من العدم. فلا ماء ولا كهرباء ولا وسائل إتصال أو طرقات. يجب زرع ما يؤكل وأكل ما يزرع في انتظار استخراج خيرات الجزيرة. ناهيك عن مجالات الصحة والتعليم والصناعة... وفي مجتمع مماثل يفترض فيه التناغم على أساس المشترك القومي تبرز بعض الإختلافات العرقية والدينية والثقافية، وهي مواضيع يتناولها الكاتب ويتساءل عن نشأة الصراعات الداخلية وعقدة التفوق لدى العرب بجانب تبنيهم لمفهوم شيخ القبيلة والتعصبية الدينية التي تقف حائلا أمام نهوض الأمم، كما يسلط الضوء على كيفية صنع الديكتاتور في مجتمعاتنا وتحرر الوحش داخل كل منا في ظروف قاسية من شأنها تحويل البقال الوديع إلى طالب دم ثوري ساخط.
