سفر المغيب

روايةفلسطين

8/25/20251 min read

بحذاقة ودون إسهاب، يبحر باهر البدوي في تناقضات النفس ويطرح من خلال هواجس ميخائيل بين الواقع والذكرى جدوى خوض غمار الخطر و الثباث على الموقف أمام انقطاع السبل.. لتأتي توصية "فريد عبد الجليل" بأن موته كمقاتل لهو أهون مرارة من إعدامه كدجاجة

ل"باهر" البدوي حتما من اسمه نصيب!

في جلسة واحدة و بلغة ناضجة، وسطور مشبعة أدبا ومع كل كلمة استخدمت فأسا في أصنام الجهل الراسخة، كانت مطالعة #سفر_المغيب متعة بحتة تحترم القارئ وعقله ووقته!

️"الأزمة الحقيقية ليست في الجيوش المتحاربة بفلسطين، ولا قادة العرب. فثمة وباء متوارث اسمه الجهل، يعشش في عقول الشعوب العربية، ووجوب محاربته لا يقل أهمية عن الإمساك بالسلاح ومقاومة المستعمر والأنظمة. فالجهل يحول دون استقلال الأراضي العربية : لا يفلح العرب سوى في الدعاء يا بني. يسكنون خيباتهم بتعليق آمالهم حول رقبة الغيبيات والنبوءات والارتكان على نصر الله الحتمي ل"أمة محمد"، فيطمئنون أنفسهم حقبا، وامتد بهم الانتظار عصورا. لكننا في عصر الذرة يا "ميخائيل". والأمم تستبق لتنهل منها علما وسلاحا" ص. 29

مع رائحة الموت المنبعثة من دير ياسين والتي عكرت صفو طعم القهوة في القاهرة وحبست الكلام في الحلاقيم ("فألم الهزائم يطفح في الشوراع قبل جبهات القتال") يواصل التيار الاشتراكي العربي القومي حراكه داخل البلدان العربية مع استقطاب الشباب وبلورة الأفكار لا سيما إحقاق العدالة في أي قطب والتصدي للمشروع الصهيوني داخليا وخارجيا.

️"يا أيها الأحرار، لو لم نتحرك اليوم لضبط البوصلة، فإن عارا تاريخيا سيتربص بالأحفاد، سيأتي يوم بغيض نراهم يرثون الذلة والمهانة عن الأجداد، ستخرج أجيال تقبل بقراءة كلمة "إسرائيل" على الخرائط؛ لأنها ستصير واقعا يتوجب قبوله. وما أبغض الواقع حين ينبتمن بذور الباطل... علينا أن نربي أبنائنا على الانتماء لهويتهم، وألا ينبهروا بأي مسميات تغريهم بالتنكر لقوميتهم. علموهم أن النهضة تصير دائرة مفرغة من دون سلطة العقل. حذروهم من الجهل، فالأمة الجاهلة هي أخطر أمور نفسها... تحركوا بحرص، وأبقوا عيونكم مفتوحة، واحذروا الحماقة، فهي أشد خطورة ووطأة من خبث الساسة... تذكروا أن حرية الغد كانت البارحة افكارا، غزلت داخل غرف مغلقة. كلنا مسؤولون عن رسم لوحة الغد، وعلى الجبان حصاد شرور صمته" ص. 58

ليثبت الكاتب #باهر_بدوي من خلال حبكة الأحداث المشوقة المثبت أصلا : السياسة ميدان قذر وبركة وحل عكر وصحراء رمال متحركة تغتال القادة ممن"يؤمن بالقلب دارا، وبالعقل مخرجا، وبالسلاح مناصا" وتبلع الانتهازيين الذين يميلون كما مالت رياح المصالح يقايضون مبادئهم مقابل مقاعد برلمانية ويعيدون صياغة المواثيق لأنها لم تعد "تخدم متطلبات المرحلة".

️"إن البشر منذ الخليقة مهووسون بوضع المبادئ لينقلبوا عليها.. فالناس يغيرون مواثيقهم صبحا، لتتضارب مع مصالحهم ليلا، فيعيدون العمل بها فجرا". ص. 241

وما موت "نجمة" نابلس في ساحة لا تعنيها (لأن سلوكها كان الكفاح لأجل الكفاح، لا لأحد!) إلا دلالة على التضحية بفتاة (من) فلسطين، آمنت بهم فغدروا بها!

️"فساد الأنظمة تسبب في ضياع فلسطين، ومفاوضات استقلالنا عبثية. معركتنا تبدأ هنا يا ولد، لم يتركوا لنا خيارا سوى القوة" ص. 242

وبالمقابل يبرز نموذج ميخائيل، ذاك الشاب الوفي لكفيله ومبادئه، المؤمن ب"الفكرة العظيمة"، الثابت على موقفه الجاعل من ميثاق "الجمعية" صفحة من صفحات الكتاب المقدس ليكمل نضاله إيمانه!

"لست إلها كي أحاسب الناس، لكني لست كذلك قديسا لأغفر لهم. فالله كان قادرا على أن يخلقنا جميعا قديسين، أو أن يخلقنا كلنا متجبرين. لكن، حفاظا منه على توازن الحياة، خلق كثيرا من المجرمين ليقهروا المستضعفين، وأقل القليل من القديسين ليعلموا المستضعفين التسامح، ثم بعض المتمردين، رافضي التسامح... لا بد ممن لا يغفر لأجل الحغاظ على توازن الحياة" ص. 134

بحذاقة ودون إسهاب، يبحر باهر البدوي في تناقضات النفس ويطرح من خلال هواجس ميخائيل بين الواقع والذكرى (فأعمق الأسئلة تأتينا على شكل رؤى أو كوابيس) جدوى خوض غمار الخطر و الثباث على الموقف أمام انقطاع السبل.. لتأتي توصية "فريد عبد الجليل" بأن موته كمقاتل لهو أهون مرارة من إعدامه كدجاجة : ل"أننا دوما المخيرون في انتقاء كيفية موتنا، ودور القدر لا يتجاوز حضوره في الموعد المحدد." ص. 209.

️"نحن أمام معركة متعددة الجبهات أيها الرفاق، وأولى قواعد المعارك هي التيقن من الندية. و الندية لا تختزل في العنصر العسكري وحده، بل في مشروع تنويري نهضوي متكامل. إن الخروج من عتمة التخلف والرجعة، يبدأ أولا بالإصلاح الفكري ومحاربة المسلمات المغلوطة. قد فاتنا عصر التنوير وعشنا بين الضلالات لعهود. حتى علا النوم كل دعوات الاستنارة وإعمال العقل" ص. 56

أحيي الكاتب على كل سطر جاء في روايته الأولى وأشكر صاحب البسطة الذي أقترح هذه الجوهرة بعيدا عن "الأكثر مبيعا" أو "المتاح أدبيا".

Related Stories