رواية 10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب

روايةأدب عالميأليف شافاك

6/10/20241 min read

هناك اسطنبول القديمة والحديثة والمجنونة. .. فهي امتزاج لبائعي السجاد، والدراويش وأصحاب العبارات... والمحتشدة بالسيارات والمراكز التجارية وناطحات السحاب... لكن هناك أيضا اسطنبول الشيطانية الهائجة الفاسقة.. هو إذن صراع اسطنبول الذكر واسطنبول الأنثى...

هل صحيح أن الشخص يموت بتوقف قلبه عن النبض؟ هل ينتهي كل شيء؟ هل يكف المرء عن الإحساس بما حوله بمجرد خروج عضو واحد عن الخدمة؟ أم أن توقف الحياة يحدث مجموعة من التغيرات المادية واللامادية ويواصل العقل نشاطه لبضع دقائق وتيتمر الذاكرة في استرجاع شريط الذكريات؟ فمن يدري لعل أفكار الإنسان، ورغباته وأحلامه تدوم لمدة أطول من العمل الفيزيولوجي للأعضاء، وتبقى عالقة ل 10 دقائق على الأقل في هذا العالم العجيب.

انطلاقا من معلومة علمية كهذه، تنسج إليف شافاك روايتها الفائزة بجائزة البوكر البريطانية لعام 2019 (The Booker Prize).

فليلى تيكيلا، بطلة القصة، لم تعرف الموت فورا عند الاعتداء عليها ورميها في حاوية قمامة، بل ظلت ذاكرتها، بعد توقف قلبها عن العمل، تزودها بذكريات حسية، "ككل الأشياء المجردة في الحياة على غرار الحب والسعادة"، أغلبها من النكهات والروائح التي ميزت طفولتها وشبابها كمحطات فاصلة، حاملة معها صور عائلتها وأصدقائها.

فمن لحظة النهاية بالنسبة لليلى، تبدأ الحكاية.

حكاية تسلط الكاتبة التركية فيها الضوء على المنبوذين والمهمشين وغير المرغوب فيهم من الذين ينتهي بهم المطاف غالبا في مقبرة "الذين بلا رفقة" أو "الغرباء" من مجهولي الهوية واللاجئين والذين رفض أهاليهم تسلم جثامينهم أو العاهرات والرضع مجهولي النسب كما المثليين والمتحولين جنسيا.

"لا ذنب لأي منكن في هذا، بل يقع اللوم على الرأسمالية؛ على النظام غير الإنساني الذي يخلق الأرباح للبرجوازيين الإمبرياليين الذين لم يعد فيهم رمق من حياة، وعلى المتآمرين معهم، إذ هم يظلمون من لا حول لهم ولا قوة، ويستغلون الطبقة العاملة". ص. 232

فليلى وأصدقاؤها يتشاركون انتمائهم لهذه الفئات الاجتماعية وفي الأقدار التي ساقتهم لأزقة اسطنبول. لكن ليست اسطنبول السياحية التي يعرفها معظمنا.. ف"اسطنبول ليست مدينة الفرص، بل مدينة الجروح والندب" ص. 174. فهناك اسطنبول القديمة والحديثة والمجنونة. .. فهي امتزاج لبائعي السجاد، والدراويش وأصحاب العبارات... والمحتشدة بالسيارات والمراكز التجارية وناطحات السحاب... لكن هناك أيضا اسطنبول الشيطانية الهائجة الفاسقة..

هو إذن صراع اسطنبول الذكر واسطنبول الأنثى...

"هذه المدينة ستظل في نظرهم حاضرة دوما، والمدينة الأم المشيدة بالذكريات والأساطير والحنين المخلص والمنتظر، والمراوغة أبدا مثل وجه حبيبة يتلاشى في الضباب.". ص. 306.

وكل هذه الوجوه لمدينة واحدة تمثل أصدقاء ليلى، وفي ظل بؤسهم المشترك في مدينة لطالما كانت ملاذا للساخطين والحالمين، تشكلت صداقات حقيقية- على اختلاف أعراقهم وأديانهم وألوانهم وحتى ميولهم الجنسي- كانت أقوى من قرابة الدم، واستطاعت في وقفات إنارة خط زمني مظلم.

"والآن، بعد مرور سنوات، ظهر الدين في نظر نالان- وكذلك السلطة والمال والإيديولوجيا والسياسة- وكأنه يؤدي عمل هذا البرقع أيضا. فكل هذه الخرافات والتنبؤات والمعتقدات قد حرمت أبناء الجنس الرؤية، وجعلتهم تحت السيطرة، كما أضعفت في أعماقهم احترامهم الذاتي، على نحو يدفعهم اليوم إلى الخوف من أي شيء؛ من كل شيء". ص. 405

هي إذن قصة عن الموت، جسدا وعقلا وروحا وحتى مجتمعيا...قصة مليئة بالغضب. على الأقل هذا ما انتابني منذ الصفحات الأولى حين أخذت ليلى الرضيعة من حضن أمها لتعطى لزوجة أبيها، إلى قتلها بطريقة وحشية، مرورا بالقصص المسكوت عنها من زنا الأقارب وإرغامها على هجر المدرسة والزواج بابن عمها واضطرارها للهروب من بلدتهم لتجد نفسها فريسة لتجار الجنس ويبدأ عملها في المواخير... في طرح إشكالي لمكانة المرأة في مجتمعات جعلت من حياتها ملكا لجلاديها لا ملكا لها.

Related Stories