ربيع قرطبة
روايةالأندلسحسن أوريد


وكما هو الحال في كل ملك فالتهديدات لم تكن خارجية فقط، بل إن البلاط عرف من المؤامرات والدسائس من الأقرباء والحاشية والوزراء ما آذن بتسلل الوهن للبيت الأموي وأفقد الخليفة القدرة على ضبط الأمور والإستفراد بالقرار
رواية تاريخية تتناول أزهى فترة عاشها الحكم الإسلامي في الأندلس مصاغة بأسلوب سلس تدفع القارئ للمضي فيها في جلسة واحدة. هذا ما نجح فيه الأديب والمفكر حسن أوريد ليحكي على لسان الخليفة الحكم، (الملقب بالمستنصر بالله) وهو على فراش المرض، مذكرات للتاريخ، لترسيخ الأندلس "كفكرة" مسترجعا ذكريات طفولته وسنوات شبابه إلى أن تولى الحكم من بعد أبيه عبد الرحمن الناصر أول من أعلن الخلافة في الأندلس سنة ٣١٦ هجرية.
وكانت الأندلس حينها دولة قوية مترامية الأطراف تعيش عصرا ذهبيا حضاريا مجسدا في الاهتمام بالعمران والعلم، إذ كانت تعد قبلة يتوافد إليها العلماء من بغداد شرقا إلى المسيحيين شمالا ومن المغرب جنوبا. وكانت تقع على عاتق المستنصر بالله مهمة الحفاظ على هذه القوة وتثبيت أركانها. فاستطاع التصدي للأخطار التمددية للنورمانديين (جاء ذكرهم بالمجوس) والفاطميين في المغرب الأقصى و ضرورة التعامل الجدي مع الممالك المسيحية التي كانت تتربص بحكم قرطبة وتنكث عهودها مرارا.
"ليس هناك من حكم على الملوك إلا التاريخ يا زيري. العامة متقلبة، والخاصة متأرجحة وفق أهوائها ومصالحها، واذلك نحرص أن نقدم روايتنا، ولو منقحة، لأن لا سلطان من دون أسطورة"
وكما هو الحال في كل ملك فالتهديدات لم تكن خارجية فقط، بل إن البلاط عرف من المؤامرات والدسائس من الأقرباء والحاشية والوزراء ما آذن بتسلل الوهن للبيت الأموي وأفقد الخليفة القدرة على ضبط الأمور والإستفراد بالقرار
.
"لا تحسبن أنك على شيء يا حكم. أنت سجين منظومة. وجدت فيها ضالتك أول الأمر لأنك تأمر فتطاع، وما لبثت المنظومة أن التفت حولك، كحبل، أو كأفعى على الأصح...وها أنت ذا تختنق... أصبحت عاجزا. نعم، كل شيء يقرر باسمك وينفذ باسمك، وأنت آخر من يعلم".
وهو الذي لطالما أثقله عبء الإنسان والخليفة المجتمعان في شخصه، وسعى دوما للتجرد من هيبة السلطان بحثا عن مزيد من السعادة في بعده الإنساني المعطاء
"هي الدولة، يا جوذر. أنا من لا يقوى على قتل ذبابة، أمرت بحز رؤوس، وألقيت بأقوام في أتون الهلاك".
أبدع حسن أوريد، الحائز على جائزة بوشكين للآداب لسنة ٢٠١٥ من إتحاد كتاب روسيا، في سرد الأحداث وترتيبها بشكل شيق بلغة شعرية مستعملا أحيانا كلمات مهجورة تتوافق مع الفترة التاريخية وعن شخص المستنصر بالله نفسه وهو الذي كان مولعا بالشعرعاشقا للعلم محبا لإقتناء الكتب وجمع المخطوطات. وتميز عهده بإتقان العموم للقراءة والكتابة وتحول المسجد الجامع لجامعة بمفهومها الحديث تدرس فيها العلوم.
كما ركز الكاتب على مفهوم التسامح الديني الذي عرفته هذه الحقبة “نحن أهل الأندلس مسلمون ومسيحيون ويهود في آن” والذي يعد نموذجا تاريخيا للتعايش رغم الإختلاف.
