قررت أن تحيا بطل
وجهة نظرفلسطين


قوافلهم "لا تمضي سدى" بعد أداء التكليف وإقامة الحجة، على طريق القدس وهو الذي غرد من قبل "هوائي فلسطين، جنتي غزة وحلمي القدس".. و "هما يومين" كما قال حسن اصليح رحمة الله عليه.. "يومين" و يتصدر المشهدية خبر جديد فتُنسى غزة وتُنسى القدس!
تصادف هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لاعتقال الدكتور حسام أبو صفية من أمام مستشفى كمال عدوان الذي رفض سابقا مغادرته أو ترك مرضاه وهو الذي رفض قبل هذا وذاك مغادرة غزة، فكان الثمن تغييبه في معتقلات الاحتلال وما خفي من معاناة الأسرى في سجون الموت أعظم!
واليوم ومع نعي كتائب القسام المتحدث باسمها الشهيد القائد "أبو عبيدة" يراودني نفس الشعور "ليس في الأمر بطولة… بل خيانة" لا أرى في الأول أو الثاني بطلا خارقا برداء أبيض كان أو بكوفية ولثام، بل مرابطا مجاهدا "بح صوته" يردد النداء خلف النداء و الخطاب تلو الخطاب وكل ما تردد في الصدى هو التصفيق الأجوف… و الآن بعد أن صار بجوار ربه "آمن من كل خيبات الأمل" يتعالى البكاء، وهو بالمناسبة حال موسمي مصاحب لكل إعلان شهادة أحد من القادة وهم الماضون على ما مضى عليه السابقون - "فاللحاق بالرفاق سجية الأوفياء العشاق"- ، قوافلهم "لا تمضي سدى" بعد أداء التكليف وإقامة الحجة، على طريق القدس وهو الذي غرد من قبل "هوائي فلسطين، جنتي غزة وحلمي القدس".. و "هما يومين" كما قال حسن اصليح رحمة الله عليه.. "يومين" و يتصدر المشهدية خبر جديد فتُنسى غزة وتُنسى القدس!
وهذا يبرز بوضوح أزمة العقل العربي الجالس على "مدرجات الإبادة" يتابع الأبطال كسرا للروتين طلبا لجرعة أدرينالين "يخذل القوم ويرجو نجاتهم". وأخطأ تميم فليست كل "شجاعات الرجال معدية" فبعضها نجعل منه فرض كفاية! ومنها ما نريده وهما بعيد المنال، ظهورا مهيبا خلف اللثام، يجسد الصورة التاريخية للفاتحين و الفرسان المقتحمين، ننشد فيه الأشعار، لا نستلهم منه عبرة ولا نلبي نداءا، لا تدفعنا كلماته للتفكير ولا توبيخه للحراك… ألم يقل الشاعر إن صدقت محبتي فاحمل سلاحي؟ "ولكنه الوهن" وهي صورة تراثية أردناها صعبة الاستنساخ، عصية على التقليد وهكذا نكون قد منحنا أنفسنا العذر الكافي واللقاح الشافي للقعود : "إنهم رجال من زمن الصحابة"!!
لا تحسبن الروماني قديما كان يصرخ طلبا للرحمة (Missio) للمجالدين (Gladiators) رأفة بحاله أو تكريما لجراحاته ورغبة في خلاصه.. بل آملا في عودته لنفس الحلبة مدرجا بدمائه مقارعا الوحوش ضامنا "الخبز واللهو" لآخر رمق!
فلا شك أننا أمة تجيد الرثاء (وكل شيء إلا أن نرقى إلى مستوى التضحيات) و لا تجيد الثأر، وأول الثأر البقاء على العهد، الوفاء للدم بحفظ الوصية وحمل الراية.. وإن أصدق ما قيل وسط زحمة المنشورات طلبا للتفاعل أو موجة الحزن الذي لا يختلف كثيرا عن التضامن الوهمي خلال سنتين، أن الجيل الذي شهد المجازر من المعمداني وجباليا مرورا بالنصيرات وصولا لرفح وشهد ازدواجية المعايير وكذبة حقوق الإنسان وعهر القانون الدولي يخزن في قلبه ما لا يحتمل من مرارة لأنه علم أن غزة وحيدة، فعلا وحيدة، اللهم إلا من نصرة ثلة مؤمنة صابرة عاملة!
