قفزة الإيمان
تأملات


في حلقة حول الوجودية من برنامج الدحيح، قُدم سورين كيركغور Sören Kierkegaard كأول فيلسوف وجودي، يرى أن مواجهة "أزمة المعنى"، لا تنقاد لمفاهيم مثل اللامعنى أو العبثية
اللامعنى كما لدى سارتر Jean-Paul Sartre الذي يعتبر "الوجود سابقا للماهية"، حيث أن الإنسان يوجد أولا ثم يحتك بالمجتمع الخارجي فيخلق جوهره ومعناه بنفسه من خلال حريته المطلقة واختياراته. مما يقدم قيمة لكل فعل ويلقي عليه بنفس الوقت عبء "القلق الوجودي" ؛
️أو العبثية لدى ألبير كامو Albert Camus الناشئة من التباينات بين رغبة الانسان في البحث عن المعنى وصمت الكون من حوله، وتتجلى هذه الفكرة في الوعي أن الحياة مجرد روتين يومي في غربة العالم والحل يكون بالقبول والتكيف بالرغم من عبثية الموقف تماما كتخيله سيزيف سعيدا وهو يدفع بالصخرة للقمة.
وبالعودة لسورين كيركغور، فإن الحل يكون بارتقاء الإنسان خارج الدوائر الحسية والأخلاقية لدائرة دينية أوسع، يكون فيها الاختيار مبنيا على متانة العلاقة بين العبد والإله، دون ضمان مسبق أن "قفزة الإيمان" هذه ستوصله لبر الأمان وفكرة الفداء. بل تعد اختيارا ذاتيا مسؤولا نابعا من إيمان، يخالف أحيانا المنطق والعرف. لذلك سمى سيدنا إبراهيم ب"فارس الإيمان" حيث قال "بالإيمان وحده يمكننا أن نشبه ابراهيم لا بالقتل".
فمن عاصر حضارات شهدت تقديم القرابين البشرية للآلهة، غدا بالضرورة تحت سطوة هذه الأفكار وأصبحت التضحية بابنه في رمزية للبذل والعطاء والطاعة هاجسا يرافقه ويؤرقه { قَالَ یَـٰبُنَیَّ إِنِّیۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُك } كناية على الرؤية بصورة مستمرة (عكس رؤيا يوسف في "رأيت" إشارة لمرة واحدة).
ولأن الله رب العالمين (هو الحق) وليس إلها متعطشا للدماء فلا يحتاج لأضحيات وذبائح، على عكس الآلهة الباطلة، أنهى على لسان ابراهيم حقبة القرابين البشرية وهو ما تصدقه الآية { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنࣰاۗ } واعتماد الصلاة والحج (وكانت المرة الاولى التي يذكران فيها بعد تطهير البيت من الأصنام) كشعائر للتقرب من الله في نقلة حضارية للإنسانية.
فالدين، من نبي الله نوح إلى سيدنا محمد (ع) خضع، كما يقول الدكتور الراحل محمد شحرور إلى
الاختلاف في الشعائر (بين الملل)
والتطور في الشرائع
والتراكم في القيم.
فالشعائر، من قبيل الصلاة والصيام، سلوك فردي يتقرب به العبد لله كما أمره الله، ولا تختصر العبادة، مصداقا لقوله { یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱرۡكَعُوا۟ وَٱسۡجُدُوا۟ وَٱعۡبُدُوا۟ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُوا۟ ٱلۡخَیۡرَ } أو { إِنَّنِیۤ أَنَا ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِی وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِیۤ }
بينما عرفت الشرائع ( المعنية بنقل الثروة/ والعقوبات/ والأحوال الشخصية / والحرب والسلم) تطورا (نحو الدولة المدنية التي أقام نموذجها رسول الله فأصبحت يثرب "مدينة") بتعاقب الرسل عن طريق النسخ شاملا في ذلك
الإلغاء -كالرجم- أو
الإضافة -كالإرث- أو
التعديل -كالطلاق،
{ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَایَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَیۡرࣲ مِّنۡهَاۤ أَوۡ مِثۡلِهَاۤ }.
أما القيم الإنسانية ("إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق") فهي مشتركة بين جميع أهل الأرض تصون للانسان حريته وكرامته برفع الاكراه وتحقق التنمية بمكافحة الفساد وتؤسس للعدالة بحفظ الحقوق وتحمل المسؤولية ؛ { دِینࣰا قِیَمࣰا مِّلَّةَ إِبۡرَ ٰهِیمَ حَنِیفࣰاۚ } وهي عماد الحياة الدنيا تنظم العيش في جماعات مدنية يكون إقرار الكل فيها :
بوحدانية الله عبر إختلافاتها
وبثباته تعالى من خلال تقدمها والسير للأمام.
فالله أزلي الوجود كامل المعرفة واحد وما عداه متعدد، ثابت وغيره, متغير ينزهه تعالى أن يكون مثله فينطبق عليه قانون أن يفسد ويهلك.
