لماذا استشهد الإمام الحسين؟
تاريخ إسلامي
أي شيء تميز به الإمام الحسين فجعل الحزن عليه يتجدد كل عام رغم مرور كل هذه القرون الطويلة؟
بهذا السؤال يفتتح المفكر الباكستاني تحليله الفلسفي والديني، في كتيب من أهم أعمال الأدب الإسلامي، لواقعة كربلاء مستعرضا الأسباب والدوافع وراء ثورة الإمام معتبرا المعركة تتويجا لحركة إصلاحية كبرى.
️إن تضحية الإمام الحسين بنفسه دليل في ذاتها على أن هذا الهدف كان أعز عليه من روحه.
في كتابه "لماذا استشهد الإمام الحسين؟" تطرق أبو الأعلى المودودي للبصيرة الفذة لابن بنت رسول الله والتي مكنته من إدراك أي خطر يتهدد الأمة منذ ولاية عهد يزيد. بصيرة جعلت القيام لمنع هذا التغيير (ولو اقتضى القتال) ضرورة وفرضا مفروضا.
️ولو سلمنا جدلا -ولو بقليل- برأي من يرون أن هذا البيت كان يدعي أحقية الحكم، فإن تاريخ خمسين عاما - منذ عهد أبي بكر إلى عهد معاوية - شاهد على أن القتال وإراقة الدماء للحصول على السلطة لم يكن أبدا سبيل أهل هذا البيت ولا خصلتهم.
فلا محالة من التسليم بأن الإمام كان يرى آثار تغير كبير في المجتمع المسلم آنذاك وفي روح الدولة الإسلامية ومزاجها ونظامها. لم يغير الناس بطبيعة الحال دينهم، ولم يقتصر الأمر على السلوك الشخصي ليزيد، بل كان الفساد هو السمة الرئيسية التي ظهرت في عهد بنو أمية ومن بعدهم بنو العباس والطريق الخطير الذي اتخدته الدولة بعد وصولها لهذا المنعطف.
️صحيح أن كل نتائج هذا التغيير لم تتضح آنذاك إلا أن صاحب البصيرة يستطيع أن يعرف -بمجرد تغير اتجاه السيارة- أن طريقها قد تغير، وإلى أي جهة سيأخذها الطريق الجديد. فكان تغير الاتجاه هو الذي رآه الإمام الحسين وقرر أن يقاتل ويضحي بروحه في سبيل إعادة السيارة إلى طريقها الصحيح.
ففي ولاية عهد يزيد اختلت أولى خصائص الدولة الإسلامية وأهمها، وهي الإقرار لسانا وقلبا وعملا بأن الملك لله، وبدأ عصر "ملوكية البشر"، حيث الدولة دولة الملك والأسرة الحاكمة وأنها هي مالكة أرواح الرعية وأموالهم وكرامتهم، وأن تولية يزيد هو "قضاء من القضاء الأزلي".
ترتب عن هذا تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحصر مهمة الحكومة في فتح البلدان وإخضاع الشعوب وتحصيل الخراج والعيش في الترف، واتخذ الحكام طراز عيش كسرى وقيصر، فغلب الظلم والجور على العدل وحل الفسق والفجور محل التقوى وانقطعت صلة السياسة بالأخلاق.
️وبدلا من أن يخافوا هم أنفسهم من الله راحوا يخيفون عباد الله من أنفسهم، وبدلا من إيقاظ ضمائر الناس طفقوا يشترون ضمائر الناس بعطاياهم وأموالهم
وإلى جانب هذا التغيير، لحق التلوث بسبعة مبادئ هي أهم ما في الدستور الإسلامي :
الانتخاب الحر : لا تكون البيعة نتيجة السلطة بل سببا لها وموجبا ويكون الناس أحرارا في أن يبايعوا أو لا يبابعوا. لكن تولية معاوية لابنه قلبت القواعد رأسا على عقب وأصبح الحكام يصلون للسلطة لا برضا الناس بل بالقوة والجبر.
نظام الشورى : كانت الشورى بين من وثق بعلمهم وتقواهم وسداد رأيهم من الناس، ممن يتوقع منهم قول الحق وفق ضمائرهم. إلى أن راح الحاكم يحكم بالاستبداد وصار الأمراء ورجال البلاط وحكام الأقاليم وقادة الجيش المتملقين هم أصحاب المشورة.
حرية التعبير عن الرأي : جعل الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضا على كل مسلم وليس حقا من حقوقه فحسب، إذ وفر لهم حرية الضمير واللسان، والقدرة على الاعتراض على الخطأ وقول الحق علانية دون التعرض له أو اضطهاده. فأصبحت القاعدة أن فتح الأفواه يكون للمديح والثناء فقط، وإلا الاستعداد للسجن والقتل. سياسة جعلت المسلمين شيئا فشيئا خانعين جبناء متفرجين عبيدا للمصالح، فارتفع ثمن المداهنة وانخفضت قيمة الاستقامة.
المسؤولية أمام الله والناس : الإحساس الشديد بالمسؤولية أمام الخالق والخلق جعل مسائلة الخلفاء ممكنة وفي كل وقت بل كانت سبيلا لخدمة الناس، حتى انتهى هذا التصور لدى من رفع شعار "من كان عنده القوة فليتنزع منا السلطة".
بيت المال... أمانة : كانت خزانة الدولة مال الله وأمانة المسلمين لا يدخله شيء من طريق آخر غير طريق الحق، ولا ينفق منه إلا في الحق بأمانة تامة. فلما تبدلت الخلافة ملكا أصبحت الخزانة مال الأمير ودخلتها الثروات من كل طريق شرعي وغير شرعي وأنفق منها أيضا بل خوف في كل طريق شرعي وغير شرعي بلا حساب أو مسائلة.
سيادة القانون وحكومته : أن يكون القانون واحدا للكل من أصغر الناس إلى رئيس الدولة وأن يطبق على الكل بالتساوي وبلا محاباة. فلما تفسخ هذا المبدأ استبيحت رقاب الناس وأموالهم وكرامتهم وأصبح للعدالة معياران أحدهما للضعفاء والآخر للأقوياء ولم يعد القضاة قادرين على الحكم بالعدل والإنصاف.
المساواة التامة في الحقوق والمراتب : لم يكن بين المسلمين فرق باعتبار الجنس أو الوطن أو اللغة أو غيرها، ولم تكن القبيلة والعائلة والحسب والنسب سببا لتفضيل واحد على الآخر. بعد قيام نظام الملكية ازدهرت العصبيات بين العرب والعجم وظهر الصراع بين القبائل العربية نفسها وصارت رتبة الأسرة الحاكمة ومنزلة حماتها من البيوتات والعائلات أعلى من كل شيء.
️ومع أن هذه المفاسد لم تكن قد ظهرت بتمامها وكمالها حين اتخذت هذه الخطوة (ولاية عهد يزيد) إلا أن كل صاحب بصيرة كان بوسعه أن يعرف أن هذه المفاسد كلها نتائج حتمية لهذه الخطوة وأنها ستقضي على جميع الإصلاحات التي أوجدها الإسلام وجاء بها في نظام السياسة والدولة. لهذا لم يستطع الإمام الحسين على ذلك صبرا، وقرر أن يتحمل أسوأ النتائج التي قد تنتج من جراء الثورة على حكومة راسخة مستتبة ويخاطر بمحاولة وقف هذا التبديل.
إن نزول الإمام إلى هذا الخطر العظيم وتحمل هذا السلوك الرجولي المؤمن أثبت أن الخصائص الأساسية للدولة الإسلامية هي رأس مالها، إن استرخص المؤمن روحه و ضحى برقبته وأسرته وأهله وعياله في سبيل الحفاظ عليه لا يكون قد عقد صفقة خاسرة، بل واجبا دينيا خالصا.
Related Stories
Voyage au centre de mes livres © 2025
Votre Café littéraire en ligne
Ecrivez-moi
Abonnez-vous à la newsletter pour recevoir tout nouvel article
We care about your data in our privacy policy.
