لا فتى إلا علي

روايةبحوثتاريخ

2/18/20251 min read

فكانت العبادة والعلم وأخلاق الفروسية مرتعه الذي يأوي إليه. وبقي تحت جناح النبي لا يفارقه، يأخذ عنه ويتعلم منه ويبثه ما لا يبثه في غيره، فاصطفاه لنفسه أخا بعدما كان قد اصطفاه ربيبا، واستودعه الدين في وقت وحشة وغربة، وسلمه الراية في أغلب المعارك وكانت للمسلمين على يديه النصرة، واختصه في الخلوات يبث فيه علوما لم يلقنها لغيره وحكمة نبوية حاملة للأنفاس الطاهرة الزكية

أصدر الدكتور عبد الله بن عرفة- وهو شاعر واديب ومحقق للتراث الأندلسي وتراث فلاسفة الإسلام) خلال 10 سنوات 12 رواية ضمن مشروع هو مؤسسه يطلق عليه اسم الرواية العرفانية. وهي تجربة فكرية إبداعية جمالية المقصود منها اتحاد المعروف بالعارف ليصبح الأخير جزءا من مسار التعرف. ويقول "بدأت أخصص لكل قرن فاتحة نورانية وشخصية محورية تجمل مكاسب ذلك القرن".

وفي مضيه بنا إلى القرن الأول الهجري جاءت رواية "لا فتى إلا علي" كإسهام ثري في إبراز مناقب شخصية كبرى كشخصية الإمام علي بن أبي طالب ومعالجة قضية الإمامة العظمى التي تطرق لها الكاتب حين تطرق لأخلاق "الفتوة" التي اتصف بها الإمام علي، حيث اجتمعت فيه وظائف الولاية الزمنية (الخلافة) والولاية الروحية (الإمامة). 

وما العدالة الإنسانية إلا إحدى صفات الفتوة الحصرية والكمالية، بل تتلخص معالمها في كون المتصف بها يجمع بين الولايتين -وما رأسا (٢) سيفه "ذو الفقار" إلا رمز للوظيفتين- وهذا اختصاص "علي" دون غيره وهو مستودع النور والعلم النبوي ووارثه الأول وباب مدينة علمه.

"إن نور الإمام علي أقرب نور إلى سيد الخلق. كما أن نور الزهراء مندرج في نور النبوة. فلما اجتمع نور التجلي الجلالي (علي) بنور الاستعداد الجمالي (فاطمة) حصل منهما الكوثر الكمالي (الحسن والحسين ونسلهما الطاهر من آل البيت الكرام). ص. 379

فهو الذي ترعرع في كنف الرسول الأعظم وتوقف عند أخلاق الفتوة العالية التي كان يراها حالا في ابن عمه ولخصتها السيدة خديجة مقالا، تهدأ من روعه وتبشره بأحسن الكلام حين جاءها سيدنا محمد مسرعا راجفا حين نزول الوحي، فقالت "فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك تصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"

"لقد اختصرت عليه المسافة، وجعلت لكل واحد من تلك الأخلاق السامية عنوانا بارزا يمكن تمثله. لقد تعلم من خديجة كما كان يتعلم من ابن عمه. أدرك علي أنها على قدر كبير من التفتي، وليس غريبا أن يجمع الله بينهما. لقد كانت تمثل المرأة في سموها وشرفها وروحانيتها الفطرية." ص. ٢٥

(فربي الربيب صغيرا في سرير النبوة، وربي الفتى في سرير الرسالة مع انطلاق الهجرة وميلاد تاريخ جديد). فكانت العبادة والعلم وأخلاق الفروسية مرتعه الذي يأوي إليه. وبقي تحت جناح النبي لا يفارقه، يأخذ عنه ويتعلم منه ويبثه ما لا يبثه في غيره، فاصطفاه لنفسه أخا بعدما كان قد اصطفاه ربيبا، واستودعه الدين في وقت وحشة وغربة، وسلمه الراية في أغلب المعارك وكانت للمسلمين على يديه النصرة، واختصه في الخلوات يبث فيه علوما لم يلقنها لغيره وحكمة نبوية حاملة للأنفاس الطاهرة الزكية (ومن غير علي أحق بحمل ذلك النفس الرحماني في هيكل النور المحمدي؟ ص. 137)

"وصلى مع النبي ولو يصل معهما رجل ثان، وسمع القرآن ولو يسمعه غيره مدة سنين، وبات في سرير النبي في الهجرة وخلفه في مواطن تهاب الرجال الأشداء أن تنزله وفداه بروحه. وقال فيه النبي ما لم يقله في أي رجل سواه، فهو مولى كل مؤمن من بعده، ثم زوجه بضعته، ولو يزوجها لغيره من كبار الصحابة الذين خطبوها، وشهد له النبي بأنه يحب الله وأن الله يحبه. أفيخفى كل هذا من مزاياه وخصائصه؟" ص. 224

ومع ظهور أقضية جديدة ومسائل مستحدثة نتيجة اتساع رقعة الدولة مع الفتوحات، كان الخلفاء لا يجدون إلا عليا فكانوا يفزعون إليه وقد سمعوا قول الرسول (ص) (علي أقضاكم) فكان يقضي بين الناس وحفظ في التاريخ (لولا علي لهلك عمر/أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن/ما فعلها أبو الحسن إلا لشيء قد علمه). وانصرف إلى العلم والتعليم وإقراء الناس، (وتفتت الحكمة ريانة من صدره على لسانه تجري مثل الماء النمير)، فتحققت فيه أن يكون باب مدينة العلم التي ينبغي أن يدخل منها كل والج.

"كان علي مرجع الناس في الفتوى والقضاء والتفسير ومعرفة السنة والاحكام الشرعية، فلم يكن يتلجلج في الجواب عن اقضية الناس وفتاويهم. كان الفقيه المرجوع إليه، والطود الأشم الذي لا يعجزه الجواب عن السؤال مهما تعقد وتعسر) ص. 227

إلى أن بايعه الناس مصرين بعد مقتل عثمان وهو عنها راغب. فتقلد الخلافة في زمن فتنة كبرى مازالت مظاهرها تظهر بين المسلمين من آن لآخر. فتنة بدأت في يوم الجمل، ثم عصيان أهل الشام وخروجهم عن بيعة الإمام وما ترتب عن ذلك من اقتتال في صفين، وكيف تمخض عنه ظهور فرقة الخوارج وتغول الروم والفرس، فحارب على التأويل كما حارب الرسول الأعظم على التنزيل، وتوقفت الفتوحات وعرقلت هذه الفتن الداخلية الإمام عن ترسيخ اركان الدولة. فأولى اهتماما كبيرا لتعليم الناس فأمر بتشكيل حروف القرآن ليسهل قراءته للأقوام الداخلة في الإسلام وسن علم النحو جنينا ووسعه وكان منبع علم التصوف ومصدره.

"وكانت معضلة الإمام مع أصحابه الذين لم يكونوا يطيعونه في أمر يدعوهم إليه، لأنه عودهم على التشاور معهم في كل شيء، وعدم الاستبداد بالرأي والفعل فيما ينبغي الاستبداد به... فقد كان لا يقهرهم على أمر ولا يستبد دونهم بقرار، بل يشاركهم ويشاورهم، وكانوا يظنون أنهم يساوونه في المنزلة ورجاحة العقل..." ص. 358

ورغم هذا الميراث في العلم والعرفان والقرابة من النبي فإن ذلك لم يمنع من ارتكاب جريمة شنيعة بحقه على يد (أشقى الأشقياء) عبد الرحمن بن ملجم وهو الذي كان الإمام صابرا ومتصدقا عليه بماله، مع علمه المسبق بنيته مرددا (أما إن هذا قاتلي) وعند سؤال أصحابه (وما يمنعك من قتله) كان يجيب متبسما (إنه لم يقتلني بعد).

يؤكد الباحث عبد الله بن عرفة على ضرورة إنصاف هذا "الرجل العظيم"، بعيدا عن الخلافات المذهبية والاصطفافات الطائفية والسياسية، وما حرص المسلمين عبر الازمان على اتصال أسانيد النسب النبوي به إلا لما اختص به من مكانة استثنائية في تاريخ الإسلام.

Related Stories