إسرائيل الصهيونية السياسية
ترجمةبحوثالصهيونية


أن الصهيونية السياسية إذا ما جردت من بريق أساطيرها المؤسسة لا تغدو ظاهرة استعمارية توسعية شبيهة بالولايات المتحدة الأمريكية في أسوء تقاليدها مع السود والهنود الحمر وشبيهة بجنوب افريقيا في التفرقة العنصرية والإستعمار وشبيهة ببعض الدول اللاتينية لمن تقدم السلاح لممارسة الإرهاب ضد شعوبهم
كان روجيه جارودي مشروع "مثقف القرن" في فرنسا -نظرا لإسهاماته الفلسفية التي أغنت الموسوعة الفكرية لا سيما فيما يخص حوار الحضارات ودراسة اللاغربية منها- لولا :
١. اعتناقه الإسلام، وهو الذي جرب الجمع بين الكاثوليكية والشيوعية فلم يجد نفسه فيهما، وبدأ يميل منذ السبعينات إلى الإسلام الذي اعتنقه عام ١٩٨٢، مستشهدا أنه "وجد أن الحضارة الغربية بنيت على فهم خاطئ للإنسان وأنه طوال حياته كان يبحث عن معنى محدد لم يجده إلا في الإسلام".
٢. وتبنيه الثابت لقضايا إنسانية عادلة كقضية فلسطين.
فمناهضته الشرسة لإسرائيل منذ إدانته لمجازر صبرا وشاتيلا عبر بيان حاد سنة ١٩٨٢ نشر في إحدى أهم الجرائد الفرنسية أدت لمحاربته من طرف اللوبي الصهيوني وشن الإعلام حربا ضده، حيث قاطعته القنوات وصورته كعنصري "نازي" لا سيما بعد إصداره كتاب "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" و "محاكمة الصهيونية" التي يشكك فيهما بأعداد اليهود القتلى في الحرب العالمية الثانية (فالنازية لم تستهدف اليهود وحدهم بل قوميات وشعوبا أخرى) مما أدى لمحاكمته وتغريمه سنة ١٩٩٨ بتهمة معاداة السامية والتشكيك في الهولوكوست أو المحرقة التي أعطيت في نظره اسما دينيا لإضفاء صورة القداسة وإعطائها بعدا أسطوريا لتوظيفها في احتلال فلسطين.
"استخدام كلمة "الهولوكست" معناه عزل اليهود عن مجموعة أوسع من ضحايا هتلر في حرب كبدت البشرية أكثر من ستين مليونا من الرجال والنساء. وكان هناك بصفة خاصة الضحايا المدنيون، فقد قتل من البولنديين صلاثة ملايين نسمة من غير اليهود، وقتل أكثر من ستة ملايين آخرين من السلافيين غبر المقاتلين. فهل من صالح اليهود أنفسهم عزلهم عن غيرهم من ضحايا الفاشية الهتلرية الذين قاوموها؟ لماذا إذن تضفى على الموت صفة "قدسية" لفريق معين من الناس؟". ص. ٧٧
التهمة التي أكد في صددها : "اليهودية ديانة أحترمها، أما الصهيونية فهي سياسة أحاربها"
"ليس ما يوجه اليوم من نقد للسياسة العدوانية الصهيونية هو السبب الذي قد يؤدي إلى العداء للسامية، فالذي يؤدي حقا إلى معاداة السامية هو التأييد غير المشروط لدولة "إسرائيل" "
"إننا نحارب الصهيونية لأننا مناهضون للعنصرية، وليست مناهضة الصهيونية هي التي تخلق اللاسامية فالأمر على عكس ذلك تماما".
وفي مطلع ملفه "إسرائيل، الصهيونية السياسية" يصرح الفيلسوف جارودي، كيف أن مناقشة الفكر الصهيوني، الذي صاغه يهود ملحدون بدءا من ثيودور هرتزل في كتابه "الدولة اليهودية ١٨٩٦"، وظفوا اليهودية لخدمة تأسيس كيان مرتزق وحاملة طائرات نووية لأمريكا تتلخض وظيفته في حماية المصالح الإمبريالية الأمريكية، كيف لمناقشة هذه التابوهات المقدسة أن ينقل الكاتب من الأدب إلى ساحة القضاء. وقد استطاعوا فعل هذا بطرق ملتوية وبتحريف للمعاني.
"والواقع أنه لم يكن هناك قط "جنس يهودي" إلا في الشطحات الجنونية لهتلر وللصهيونيين، ففي كل مراحل التاريخ، كان" اليهود" أحد العناصر التي تكونت منها الشعوب الكبرى". ص. ٥١
"بينما تؤكد البيولوجيا ويثبت التاريخ أن يهود اليوم، هم كالناس جميعا، نتاج اختلاط وامتزاج شعوب متعددة، من القرم إلى اليمن، ومن اثيوبيا إلى اسبانيا، ولا يمكنهم أبدا المطالبة "بإرث" أسلاف وهميين واستعباد السكان الحاليين من عرب ومسلمين ومسيحيين مع أنهم سكان تلك الأرض وأثرب من سكانها القدامى من المهاجرين البولنديين أو الروس، الرومانيين أو المجريين، أو اليمنيين أو المغاربة، الذي لم يجمع بينهم شيئ سوى الدعاية النازية البشعة التي ادعت زورا أنهم شعب واحد يمكن التعرف عليه وفقا لمعايير العنصريين النازيين، وبخصائص بدينة مثل شكل الجمجمة أو الأنف، وبصفات سيكولوجية خاصة بهم." ص. ١٤٩
فكان من الضروري إذن التمييز بين مفاهيم مثل اليهودية والصهيونية الدينية والسياسية : فالمذهب الذي قامت عليه إسرائيل لم يأت من التقاليد اليهودية ولكن نبع من النزعة القومية الاستعمارية العنصرية الغربية في القرن التاسع عشر. فنشأتها جاءت من ايديولوجية خادعة (تستمر إلى الآن بسبب التوجيه الفكري للأطفال في المدرسة والشباب في الجيش على يد الحاخامات العسكريين ولكل السكان عن طريق الدعاية الرسمية لتنمية التعصب وغسل العقول) لا تختار من مأثورات اليهود إلا ما يبرر سياستهم العدوانية التوسعية ويشجعون، عبر قراءة انتقائية مغرضة للتوراة، الجرائم ويرددون الشعارات باسم مجموع "الطائفة اليهودية".
"ففي القرن الخامس عشر الميلادي كان أول من عاد هم يهود اسبانيا الذين ام يسبق لهم أن شعروا بأية رغبة في الهجرة خلال ثمانية قرون عاشوا فيها في الأندلس جنبا إلى جنب مع العرب، ولكنهم فروا من ظلم محاكم التفتيش ومن تعسف الملوك " الكاثوليكيين المتزمتين" وجاءت أقلية منهم إلى فلسطين، أما الأغلبية العظمى فقد لجأت إلى فرنسا وهولندا وإيطاليا ومصر وقبرص أو بلاد البلقان. وفي سنة ١٨٤٥ لم يكن في فلسطين كلها غير ١٢٠٠٠ يهودي من بين السكان البالغ عددهم ٣٥٠٠٠٠ نسمة". ص. ٤١
ومحاولة فهم وكشف حقيقة الصهيونية السياسية تتم بدراسة الأساطير التي قامت عليها، وذلك بغرض إماطة اللثام عن زيف مشروعيتها السياسية أو التوراتية أو القانونية أو الخلقية. أساطير منها التاريخية كأسطورة الصحراء (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، و أسطورة "أرض الميعاد" العنصرية، وتوراتية دينية ك"شعب الله المختار"، علما أن ألأغلبية العظمى من الإسرائيليين اليوم لا يشاطرون اليهود إيمانهم ولا شعائر الدين.
"لقد حاول الاستعماريون في كل زمان ومكان أن يجدوا مبررا لاستيلائهم على الأرض، ولسيطرتهم على الناس، وكانت الذريعة بصفة عامة هي "التفوق" الثقافي الذي يلقي على الغازي عبء القيام "برسالة حضارية" باسم "بني جنسه" إزاء الغير، وكان المبرر الديني وسيلة ناجعة للغزو الاستعماري، أو على وجه العموم لسيادة طائفة على طائفة أخرى. ويستبيح المرء كل شيئ إذا كان من "الشعب المختار" ". ص. ٨٣
إذن يتوضح أن الصهيونية السياسية إذا ما جردت من بريق أساطيرها المؤسسة لا تغدو ظاهرة استعمارية توسعية شبيهة بالولايات المتحدة الأمريكية في أسوء تقاليدها مع السود والهنود الحمر وشبيهة بجنوب افريقيا في التفرقة العنصرية والإستعمار وشبيهة ببعض الدول اللاتينية لمن تقدم السلاح لممارسة الإرهاب ضد شعوبهم.
