دراسة في الدعاء
تأملات


يؤدي وقوع الأصوات في الأذن، إلى إحداث عمليتان لا واعيتان : علمية على شكل تدفق الدم لمراكز في الدماغ، مسؤولة عن توليد العواطف وتهييج الشعور (نفسية). وفي حالة هذا "اللحن الحزين" تحفيز مجموعة من المشاعر السلبية (المنخفضة) التي ترسخ فكرة "قلة الحيلة". ويسبب تكرارها إلى تأكيد برمجات عقلية دفينة. ويكمن الفرق في أن تكون القراءة متقنة تفيض من خشوعها العين دمعا وتزيد المستمع سكينة وطمأنينة و بين قراءة حزينة هدفها البكاء أو افتعاله.
دراسة في الدعاء، شكلا ومضمونا
غالبا ما يرافق المقاطع المصورة القادمة من غزة مقطعين اثنين: قرآني من تلاوة الآية الكريمة {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} ودعاء "كن لأهلنا المستضعفين في غزة".
وإن كانت مكانتهما محفوظة مصانة، ففي المحصلة هي "أصوات" و "ذبذبات" يؤدي وقوعها في الأذن، إلى إحداث عمليتان لا واعيتان، سواء أ آمنت بوجودهما أم لم تؤمن:
علمية على شكل تدفق الدم لمراكز في الدماغ،
مسؤولة عن توليد العواطف وتهييج الشعور (نفسية).
وفي حالة هذا "اللحن الحزين" تحفيز مجموعة من المشاعر السلبية (المنخفضة) التي ترسخ فكرة "قلة الحيلة". ويسبب تكرارها إلى تأكيد برمجات عقلية دفينة. ويكمن الفرق في أن تكون القراءة متقنة تفيض من خشوعها العين دمعا وتزيد المستمع سكينة وطمأنينة و بين قراءة حزينة هدفها البكاء أو افتعاله.
*اختبار: أعد الاستماع مع تفعيل الحس المراقب: بماذا تشعر حين تسمع هذا الدعاء؟
هل تدب فيك الحماسة وتنتفض قوة؟
أم تشعر بالغلبة والاستكانة؟
ف "طبول الحرب" قبل أن تغدو مجرد نعت مجازي عن قرب اشتعال المواجهة، كانت تقرع حرفيا في ميادين القتال في مختلف الثقافات عبر التاريخ، وكانت قيمة عازفيها، الذين يرفعون من معنويات الجيش، لا تقل أهمية عن المحاربين أنفسهم. وهنا لا بد من تكرار قول سبق وتسليط الضوء على دور القصائد الحسينية في تعبئة أجيال على مدى عقود. وشهدنا بأم أعيننا الصبر والثبات والاستقامة في معركة أولي البأس.
فبالرغم من كونها تستمد ماء كلماتها من بحر مظلومية الحسين بن علي إلا أنها "مظلومية مع قوة" وحزن يشعل ثورة في ثورة. فترى أن أهل الشهادة هم فعلا "خدام" صابرين على الموت والجراح متأسيين بذلك بقطيع الكفين مطفأ العينين ومحزوز الوريدين بكربلاء. ويلفتني في قصيدة الرادود علي قاسم "جند الحسين ثار": "جهزوا الجيش فيوم الثأر قادم عبؤوا الجند بلطم في المآتم" فكما لا يطلبون الموت للموت لا يعبؤون الحزن لذاته.
مضمونا
شتان بين من يطلب أن يستخدمه الله في (اكسر بنا شوكتهم) ومن كان لسان مقاله وحاله، وهو نفسه الذي حرم في الحرم العمل المقاوم، يقول (فاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هَهُنا قاعِدُونَ). وإن تمعنا في نص الدعاء نفسه، تؤمن خلفه ملايين المصلين، طوال سنين، سنصعق بالكارثة:
اللهم مزقهم كل ممزق!!!!!
ألبسهم لباس الفقر والجوع و المرض!!!!!
رمل نسائهم ويتم أطفالهم!!!!!
خرب بنيانهم!!!!
اقطع أعمارهم!!!!!
فلم ينقل عن رسول الله، أكثر الأنبياء ظلما وأكثرهم صبرا على الأذى بكل أنواعه (لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) أن دعا بالهلاك على أعدائه الظالمين، حتى وجبينه يسيل دما. لأنه بالفعل رحمة للعالمين ولكونه معلمنا الأول الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور فكانت لنا فيه أسوة حسنة، يعلم أن كل ما يصدر منه يعود مرتدا إليه! بل كان عليه الصلاة والسلام :
1) يستعيذ بالله (الاحتماء/اللجوء إلى أصل القوة والتمكين) من غلبة العدو وشماتة الأعداء
2) يدعو دعاء المضطر لله الموقن بنصره في "يا مجري السحاب ويا هازم الأحزاب اهزمهم"، دعاء لا يشوبه شك ولا تخالطه ريبة (لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال)
3) التركيز على النفس في "اللهم إن تغلب هذه العصابة" و"انصرنا عليهم"، ونصرفئة يعني تلقائيا هزيمة الأخرى...
4) طلب الحول والقوة من موقع القوة واليقين لا الضعف، متوكلا على العلي العظيم (مسلـّما مؤمنا).
ومن شروط التوكل حسن الظن بالله وألا ترهق تفكيرك لا الطريقة (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) ولا النتيجة (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) فكانت الاستجابة آنية (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) بالريح وجنود لم يروها (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ). ولو اكتفى -وهو خير من يستجاب له، كريم يستسقى الغمام بوجهه وهو غلام فكيف وهو سيد الأنبياء- بالدعاء وحده لما أعد العدة على قلة العدد. حسبه في ذلك وعد الله أن يحقق النصر على يد فئة ثابتة مؤمنة صابرة من الخلص المقربين ممن أوثق فيهم معاني الفتوة والإقدام.
