أزمة العقل العربي

تأملات

3/31/20261 min read

يكثر السؤال حول تقدم الغرب و تأخر العرب، وملاحظة أن المسلمين لا يمثلون الإسلام. وهذا ما جاء في شكوى الرسول الأكرم لربه {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا}

لم يقل الرسول (أمتي) المشتركين في السلوك بل قال بالتعبير القرآني الدقيق (قومي) المشتركين في اللغة، وهم العرب! والقرآن كما سبق، هو قانون الوجود الموضوعي والتاريخ الإنساني.

فإذا كان الإسلام مدينا بانتشار (نوره) عبر الاختراعات والاكتشافات السباقة فالفضل يعود لمسلمين غير عرب درسوا قوانين الوجود والإنسان وقدموا أكبر خدمة للبشرية في الطب والفلك والفيزياء والرياضيات والملاحة بينما كان هاجس العرب نشر الإسلام (بالسيف) طمعا في ملك وحكم وسلب ونهب.

فهُجر القرآن وتحجر فهم الكتاب، لأن الفهم والتفكر يتطلب استخدام العقل والمنطق والتطور المعرفي للعصر لا الاعتماد الحصري على التفسيرات التراثية. وإن كانت نتاج مرحلتها فالمطالبة بالتقيد (بالسعي المشكور) لأصحابها هو ما كرس التقصير وعدم استنفاذ الجهد في دراسة المصحف!

لذلك كانت للراحل محمد شحرور مقولة (لن يدخل الناس في دين الله أفواجا إلا إذا خرجوا من دين الأجداد أفواجا).

لأن الدين الذي وصلنا، وأسسه الكتاب والسنة والإجماع والقياس لا يتطابق مع عالمية الخطاب ولا مع مصداقيته ولا إجابة القرآن على أسئلة الفلسفة الكبرى

فمذ ثُبت الموروث أحكم العداء بين العقل العربي من جهة والفلسفة، أم العلوم، من جهة أخرى.

وهذه الأزمة التي أورثت عقلا أحاديا، رافضا للغير، مقصيا للآخر، تأصيليا، مستهلكا، يبحث عن (مستبد عادل) لإعطائه الشرعية تعود بالزمن للقرن الأول الهجري حيث حصلت أكبر عملية تزوير ضد رسول الله، من تدليس وصلت ل(صناعة) مليون حديث موضوع (لمن يسأل من طرف مسلمين أنفسهم، لتبرير المصالح الاقتصادية والاجتماعية)

ابتداءا من العصر الأموي الذي شوه الإسلام على مدى تسعين سنة وأوجد مفاهيم القضاء والقدر وتكريس طاعة السلطان تخدم أغراضه السياسية (في حين لا يوجد حديث واحد يدعو للحرية!) إلى العهد العباسي الذي وصلت فيه الدولة لذروتها وبرزت فيها المدارس الفقهية. وهنا ظهر (اتهام) كتاب الله بالنقص والغموض ومفهوم (الكتاب أحوج للسنة) و أن السنة (وحي ثاني) على غرار (العهد الجديد) لدى المسيحية.

فالدولة كانت وقتها مسلمة لكنها مزيج بين الثقافات النصرانية والزردشتية والسومرية فكان تحدي عرب (القبائل) الأكبر هو امتلاكهم السلطة دون امتلاك ثقافة. وكانت التأثر بالمسيحية هو الأبرز حيث اشتغل ببيت الحكمة في بغداد العديد من أتباع النصرانية ممن كانوا مهتمين بترجمة كتب الطب والنجوم والهندسة والآداب، وأدى الإطلاع على الإنجيل (الكتاب المقدس) المتمركز حول حياة المسيح بضرورة إحداث (السيرة النبوية) وموازاتها في استنباط الأحكام لكتاب الله وتكافؤ المصدرين.

وظهر في هذه الفترة :

السنة : ولد مفهوم السنة كوحي ثاني مع محمد بن ادريس الشافعي الذي ولد سنة 770 م (قرنان بعد الرسول الأعظم) ولم يكن قد سبقه أحد حتى أبو حنيفة في هذا الطرح، وذلك لإيمان الشافعي بالترادف وتفسيره (لينطق) في {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} على أنه (القول)

ففي المصحف القول لله

والنطق لرسول الله وعليه البلاغ.

فالناطق الرسمي لجهة معينة يتلو غالبا قولا ليس له

لأن النطق (حق) عملية صوتية موضوعية

{فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون}

إذا تحول فيها الكلام إلى معنى في العقل أصبح قولا

{فتبسم ضاحكا من قولها}

واعتبار الرسول صاحب الوحيين، ساوى بين الحديث والآية وأخذت من الأحاديث الأحكام بدل الكتاب وأصبحت كتب الحديث (مقدسة)

القياس : نُحِّي الكتاب وجعل من نمط حياة الرسول والصحابة، أي تنظيمهم للحلال وممارستهم له، مركزية دينية ونقل مركز الإسلام من كتاب الله إلى حياة (المدينة) و (دار الإسلام) ببغداد

الإجماع : أو (الجمهور) أو (هكذا أجمع المفسرون) وهو حجة قطعية لمن عاصر عصرهم تخص الأحكام الشرعية لا المتشابهات التي تحتاج لتأويل لا لتفسير.

فقد كان رسول الله يمتنع عن الشرح ويقول (بلغوا عني ولو آية لرب سامع أوعى من مبلغ) وذلك لأن السقف المعرفي والاقتصادي والإجتماعي مختلف وأعلى من سقف مفسري القرن الأول غير أن (السلف) مؤمن أن التاريخ يسير للوراء وكل قول لا يطابق ما أجمع عليه الناس يسمى (هرطقة)

فمعارض الكتب تستقطب في الغالب باحثين عن موسوعات تاريخية بينما يظهر نموذج (ابن رشد) كفيلسوف أثر في عصر النهضة وشكل جسرا فكريا لنقل الفلسفة لأوروبا التي استفادت منه وتجاوزته فيما بعد

لأن خط السير التاريخي الفكري سائر قطعا للأمام ويتغير المنهج المعرفي بتغير المعطيات الجديدة وهكذا فقط نتقرب من الله :

فالله عليم حر التصرف كامل المعرفة

والإنسان متعلم متحرر ناقص المعرفة

وبتسارع إنتاج المعرفة الإنسانية والعلمية يتقلص الفارق بين الغيب والشهادة ويختصر الزمن ويمكن (تأويل) آيات القرآن ورؤية نهايتها على أرض الواقع.

إن أصالة المجتمع تلخص في العادات والمعاصرة تضيف عليها وتبني علميا على مفاهيمها النسبية، التي لا ينبغي لها أن تقف كحجر عثرة أمام التطور. وكل ما سبق هو جزء من الثرات المعرفي تتعالى الدعوات لتجاوزه.

وقول الأزهر أنه يصدر سنويا ما يقارب ١.٧ مليون فتوى (تصدر الفقهاء برامج الإذاعة والتلفزيون للإجابة على كل سؤال يطرح مهما كان تافها!!)  لا يجب أن يكون مدعاة للفخر إذ يلغي حرية وهامش الفكر لدى الفرد ويحنط أسمى هبة ربانية (العقل). بل إن الخروج من هذه الأزمة يتطلب هزة قوية للعقل تبدأ بالضرورة ب (الغربلة).

إن شهادة الرسول (كما الأنبياء) على قومه (على أقوامهم) يوم القيامة

{ويوم نبعث من كل أمة شهيدا}

هي شهادة خصومة

{إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة تختصمون}

محورها (الكتاب) :

{ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}

فالكتاب السماوي الذي بين أيدينا (تبيان لكل شيء) وليس ناقصا بحاجة لإضافات إنسانية.

Related Stories