عقدة الذنب

تأملات

2/22/20261 min read

تعج الأساطير الإغريقية بقصص أبطال تحدوا الآلهة الأولمبية وخالفوا الأوامر فسلط عليهم سوط العقاب، ألقى بالبشرية في هوة عقدة ذنب جماعية ؛ منذ باندورا التي فتحت الصندوق فأطلقت الشرور والويلات على العالم، إلى سيزيف الذي عوقب للأبد على مكره وخداعه أو هرقل الذي أعدم في نوبة غضب زوجته وأطفاله.

عقدة ستحفر عميقا في اللاوعي الإنساني ابتداءا من القرن الرابع تحت مسمى "الخطيئة الأصلية" التي ينضوي تحتها كل البشر دون استثناء. فنكون منتمين إلى جنس مذنب بالفطرة!

ليأتي الخطاب الكنسي ويكرس المفهوم بتصوير الله إلها صعب الإرضاء، شديد العقاب، محتسب منتقم.

في اللغة الألمانية لفظ "خطأ" هو نفسه كلمة "دين" (Schuld) وكأن الذنب دين يتوجب علينا سداده. مما دفع الأب الروحي للتحليل النفسي سيغموند فرويد للربط بين الإحساس بالذنب المستمر كوسيلة للخلاص من الدين الملقى على عاتق الفرد.

في هذه الأثناء يستمر المرء في حمل عبء الخطأ، اجترار الموقف، نصب "المحكمة الذاتية"، وعدم الرضا عن نفسه المرافق لجلد الذات والإحساس بالدونية. ندبة لامرئية وحدها المرآة تعكس مدى قبحها وتولد معها مشاعر انعدام القيمة.

ولا يكفي الشيطان أن (يأمر بالفحشاء والمنكر) بل (يقعد) في طريق العودة والرحمة بغرض التيئيس و الدفع بالإفراط في اللوم.

والفقه الإسلامي كعلم مستقل مدون في أوائل القرن الثامن ليس ببريء تماما. فمع انفتاح الدولة وتوسعها وظهور مسائل جديدة وتمايز المدارس فيما بينها كثرت الروايات والتفصيل في المحرم والمكروه والمنهي عنه. مع أن القاعدة تقضي بالإباحة كأصل في الأشياء إلا ما حرم منها غير أنه لا يعمل بها. فصرنا نتوجس كلما داهمتنا لحظات سعادة أو متعة.

لكن، وفي أحيان كثيرة يكشف الخطأ عن المعدن الحقيقي للإنسان : "محاولاتك العديدة للإصلاح هي خير دليل على صلاحك" وما يخفف من وقع حتمية "كل بني آدم خطاء" أن خير الخطائين التوابون. ولو شاء الله لما جعل في الأرض (من يفسد) و الملائكة يعبدونه (لا يستكبرون). بل هو الله يعلم ما لا يعلمون.

يعلم أنه يأتي على الإنسان حين يتبع فيه هواه ويضل عن السبيل، وأن للنفس إقبال وإدبار بين جهاد تزكية وتدسية، أمارة بالسوء ولوامة. وهو الذي نادى عباده (الذين أسرفوا على أنفسهم) والإسراف، وقوع في الحرام يحتاج أهله (وهم أصحاب النار) رحمة وكان فرعون أكثر من نعت بالإسراف في الكتاب الحكيم (# التبذير، التجاوز في الحلال) بأن لا يقنطوا (من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم).

Related Stories