عندما يقول الجسد لا
علم نفستطوير الذات


عندما نتعرض لأشكال عدة من انتهاك الحدود والاعتداء ونتحول مع الوقت رعاة لغيرنا ونلعب أدوار ليست لنا لمجرد أن نصير "مقبولين" في نظر الآخر وحين يكون قول لا مستحيلا، حينها يقول الجسد لا بطريقته بالنيابة عنا، من خلال لغة المرض في النهاية.
تقول إحدى شخصيات وودي آلان في أحد أفلامه "أنا لا أغضب أبدا، ولكن أربي ورما بدلا من ذلك" ص. ٣٣٥
اعتمادا على دراسات وبحوث علمية عديدة، والمراقبة السريرية لعمر كامل، بالإضافة إلى قصص المشاهير وكتب السير الذاتية، يسلط الدكتور جابور ماتيه الضوء على الروابط الجوهرية، التي لا تدع مجالا للشك، بين العقل والجسد والعواطف. أو ما يطلق عليه اسم "مثلث برمودا". مؤكدا أن أكبر خطأ يقع فيه الطب التقليدي، كإيديولوجيا سائدة في ثقافتنا، هو الاعتقاد الراسخ أن العقل والجسد منعزلين، كما نصف الناس بمرضى أو أصحاء بمنأى عن الضغوطات الاجتماعية أو النفسية أو الاقتصادية.
إذ يذكر جابور ماتيه، المختص في الإدمان والصدمة النفسية والضغط والنمو في مرحلة الطفولة، أنه ليس للمرض تاريخ فحسب، بل يخبرنا الكثير عن تاريخ الشخص نفسه الذي يعاني مثلا من السرطان، أو السكري، أو التصلب المتعدد، أو أمراض القلب.
إن عقيدة الطب تفضل الفصل بين العقل والجسد بعيدا عن الضغط العصبي والظروف المساعدة لنشوء المرض (أقر باستور على فراش الموت أن "الجرثومة لا شيء، البيئة كل شيء") - خصوصا في مرحلة الطفولة حيث يواجه الأطفال صعوبة في التعبير عن احتياجاتهم ومشاعرهم ومخاوفهم بشكل سليم. فقد تشارك الأشخاص الذين أدلوا بكل شجاعة بتجاربهم ذكريات يعمها العنف أو الهجر أو الكبت العاطفي.
بينما يتوجب الاطلاع على التجارب الشخصية ليس فقط لفهم المرض، بل أيضا لفهم الصحة.
"تترجم التجارب العاطفية إلى استجابات بيولوجية ضارة عندما يمنع البشر من تعلم كيفية التعبير عن مشاعرهم بفاعلية. وهذا التعلم يحدث -أو لا يحدث- خلال سنوات الطفولة" ص. ١٧٠
فالجسد في تجربتنا الحياتية يترجم الإجهاد العاطفي وكبت المشاعر وقمع الغضب إلى إشارات عضوية. فالحالة المزاجية أمر "عضوي" وجميع الاضطرابات النفسية لها تأثير مباشر على الوظائف المناعية ووظائف الجسم الفيسيولوجية. ما يسمى ب "التركيبة العاطفية" أو "سمات الشخصية".
"السمات الأخرى التي ميزت مرضى الروماتويد في الدراسات النفسية شملت النزعة إلى الكمال، والخوف من نزوات الغضب، وإنكار الكراهية، والشعور القوي بالنقص... وجدت أن سمات مماثلة كانت مرتبطة ب "الشخصية السرطانية" أو الشخصيات المعرضة لخطر الإصابة بالتصلب المتعدد أو التصلب الجانبي الضموري أو أي مرض مزمن آخر، لا تمثل أي من هذه السمات خصائص فطرية لصاحبها، ولا هي راسخة في الفرد بحيث يتعذر إصلاحها" ص. ٢٢٢
ويثير جابور ماتيه فكرة غريبة خارجة عن المألوف يسميها "قوة التفكير السلبي" حيث يصبح التسلح بالتفكير السلبي كوسيلة لمنظور أوسع للنظر في الداخل حيث يعم الظلام والعتمة وليس الخارج حيث ينير الضوء. فهو ليس وجهة نظر كئيبة متشائمة تتشكل في صورة الواقعية وإنما الاستعداد للتفكير في مواطن الخلل.
"الكفاءة العاطفية هي ما نحتاج إلى تنميته إذا كنا نريد حماية أنفسنا من الضغوط الخفية التي تشكل خطرا على صحتنا، وهي ما نحن بحاجة إلى استعادته إذا كنا نريد التعافي. والأهم هو أن نغرس بذورها في أطفالنا، لأن الوقاية خير من العلاج" ص. ٦١
وتتضمن الكفاءة العاطفية أساسا: القدرة على الإحساس بعواطفنا، والقدرة على التعبير عنها بفعالية ومن ثم المطالبة باحتياجاتنا ومهارة التمييز بين ردود الفعل النفسية ذات الصلة بالوضع الحالي وتلك التي تمثل بقايا الماضي…
كما يقدم هذا الدكتور والكاتب خريطة تعيد تقييم طرق العيش معتمدة على سبعة مبادئ للشفاء:
١. القبول
٢. الوعي
٣. الغضب
٤. الاستقلالية
٥. التعلق
٦. توكيد الذات
٧. الإقرار
إن "عندما يقول الجسد لا" ليس "كتابا آخر عن الضغط النفسي"، بل دعوة تأملية لإعادة التواصل بين المشاعر والاحتياجات لالتماس طريق الشفاء نحو توكيد ذات واع ومتقبل، يحترم الحدود من خلال تحمل المسؤولية بعيدا عن اللوم الذي يصبح فكرة عبثية. فالوصفات تأتي من الخارج، بينما التحول يبدأ من الداخل فعندما يولد الإدراك يستحث التحول.
