علي أول فدائي
تأملات
سألوا قاتل فرج فودة، المفكر المصري، لماذا قتلت فرج؟
قال : لأنه كافر
فسأله القاضي : كيف تأكدت أنه كافر؟
قال : من كتبه
فسأله : ما هو الكتاب الذي قرأت له؟
قال : سيدي القاضي أنا أمي، لا أجيد القراءة والكتابة.
أخطر الناس، هم الأشخاص الذين لديهم فهم قليل ومعتقدات كثيرة.


وهنا يكمن المأزق الفكري والنفسي العميق، الذي يدفع بالإنسان إلى تبني آراء جازمة دون جهد معرفي أو بحث علمي يبني عليه موقفه الشخصي، فتخلو معرفته من الشمولية و السعي الجاد وراء الحقائق. ويذهب هذا السلوك بصاحبه إلى الوهم المريح والركون للكسل اتقاء (صدمة انهيار المعتقدات والقدوات).
ويظهر هذا حين يكون الحديث عن علي بن أبي طالب لدى المجحفين والجاحدين لحقه وفضله على الإسلام، مع كثرة الروايات في مناقبه والأحاديث في بيان منزلته. غير أن المشكلة الأساس لم تكن يوما مشكلة نصوص، بل نفوس (الشيخ أحمد سلمان).
فقد خلد التاريخ مسيرة قل نظيرها دارت حولها كل محطات الدين من أولها إلى اغتيال "الصلاة" في محرابها :
️التضحية العظيمة لفتى عشريني ذوبه عشقه يفتدي ابن عمه ليلة الهجرة غير آبه بسيوف قريش الخبيثة العازمة على وأد الدعوة في مهدها ("أو تسلمن بمبيتي هناك يا نبي الله؟")
️البسالة النادرة والقيادة الرصينة في ساحات المعارك، المقترنة بالعدل ورفعة الأخلاق فما كان يدخل الهيجاء راكبا بل على قدميه، فلا هو يفر ولا يلحق بفار (ما قام ولا استقام ديني إلا بسيف علي و مال خديجة)
️الثبات الهاروني في مقامات الأخوة والمؤازرة والوزارة وعدم شق أمر الأمة { إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِی وَكَادُوا۟ یَقۡتُلُونَنِی }
️الحفاظ على نهج الإسلام وتغليب صالح الأمة وهدايتها من أجل الأسس العقائدية والتطبيقية التي أرساها رسول الله من (امحها يا علي) إلى محاسبة الولاة والمساواة في العطاء مع منع الفتن وتقديم المشورة في إدارة الدولة (فإن أطعتموني فإني حاملكم إن شاء الله على سبيل الجنة)
️لتستمر من بعده، في شخص أولاده وأهله، التضحيات إنقاذا للدين من الانحراف والانزلاق السياسي والفكري، تجلت أسمى معانيها في كربلاء (ما خرجت إلا لطلب الإصلاح في أمة جدي).
فكما كانت "مسيرة" هذا الإمام العظيم امتدادا للرسالة المحمدية فإن دراسة "سيرته" إتصال طبيعي بالنبع المحمدي : فإن كان علي هو علي، الربيب والتلميذ والسيد الأصغر، فكيف إذن بالراعي والمعلم والسيد الأكبر؟
لذلك فمن يدعي حب النبي ويقفز على شخصية الإمام علي هو أولى بالوقوف مليا عنده.
فالإطلاع على نفحات علمه الإلهي ومحاولة كشف السر المستودع فيه، إنما هو إدراك أنه نور منسكب من سراج النبوة. فمن أراد المدينة فليأتها من بابها!
فنرى أن مقولة علي شريعتي (نحن تشبتنا بعلي كي لا نفقد محمدا) تختزل في بساطتها عمق فلسفة التشيع الذي دعا له رسول الله وسنه في قول طويل جاء فيه (...وشيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي في الجنة وهم جيراني...)
لذلك فشيعة علي هم في الواقع شيعة محمد، شرط أن يمثلوا كل قيم العدل مقابل الفساد والحق في وجه الظلم والاستقامة ضد الانتهازية. أن يكونوا زينا في سلوكياتهم لا شينا، كما جاء في وصية الإمام الصادق. وقد قال الرسول الأعظم (إن شيعتنا من شيعنا، واتبع آثارنا واقتدى بأعمالنا).
فحب الإمام علي واحترامه لا يحتاج (لوصية قرآنية) بل لسلامة قلبية، وعقل منفتح وفطرة مستنيرة كي لا يظلم جهلا كما يظلم من قبل البعض غلوا.
فترى المفكرين المسيحيين يجدون في علي بن أبي طالب رمزا جامعا للعدالة والحكمة ويتجاوز إعجابهم حدود العقيدة إلى رحاب الفكر، حيث يوصف بصوت "العدالة الإنسانية" وبالنموذج الأرقى للرحمة والتواضع، "فيتمثلون بحكمه ويخشعون لتقواه" وتعتبر فلسفته تجليا للقيم الروحية والأخلاقية.
في كتابه "الأبطال" وهو دراسة أدبية وتاريخية مستفيضة لمقومات البطولة، اختار المؤرخ والفيلسوف الاسكتلندي توماس كارلايل عام ١٨٤٠ على ضوئها شخصيات أسطورية وحقيقية من أبطال الإنسانية في مختلف الميادين. ومن بين الأنبياء، اختار كارلايل النبي محمد باعتباره نموذجا للشجاعة والقيم الإنسانية العليا. فأبدع في وصفه وتحليل شخصيته، موجها بذلك صفعة في وجه متطرفي الغرب، قائلا :
"وإني لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت، يسكت حيث لا موجب للكلام، فإذا نطق فما شئت من لب وفضل وإخلاص وحكمة، لا يتناول غرضا فيتركه إلا وقد أنار شبهته وكشف ظلمته وأبان حجته واستشار دفينته، وهكذا يكون الكلام وإلا فلا".
وتجاوز الكلام الإعجاب إلى الحب المستحق : "وإني لأحب محمدا لبراءة طبعه من الرياء والتصنع ولقد كان ابن القفار هذا رجلا مستقل الرأي لا يعول إلا على نفسه ولا يدعي ما ليس فيه"
ولما وصف الإمام علي قال : "أمّا عليّ، فلا يسعنا إلّا أن نحبّه ونتعشقه؛ فإنّه فتىً شريف القدر، كبير النفس، يفيض وجدانه رحمةً وبراً، ويتلظّى فؤاده نجدةً وحماسةً. وكان أشجع من ليث، ولكنّها شجاعة ممزوجةٌ برقّة ولطف، ورأفةٍ وحنانٍ جدير بها فرسان الصّليب في القرون الوسطى، محارب الشر والنفاق، أسد الله على الفساد، المكلل بنعمة إلهية" مؤكدا أن قتله غيلة في الكوفة إنما كان "لشدة عدله".
Related Stories
Voyage au centre de mes livres © 2025
Votre Café littéraire en ligne
Ecrivez-moi
Abonnez-vous à la newsletter pour recevoir tout nouvel article
We care about your data in our privacy policy.
