الوراق : أمالي العلاء
أدب عربيروايةيوسف زيدان


وفي تقاطع الخطوط الزمنية لكلا البطلين، إدراك للكثير من القواسم المشتركة بينهما إذ كان الفقد والألم والرهبنة والصراعات الداخلية لكليهما سمات بارزة، كما أن الحياة المبعثرة في بعض الأحيان دفعت الشخصيتين في لحظة فارقة تحولية سواء للبحث عن "معنى للوجود ليكون للوجود معنى" أو التكرار النمطي الأجوف للأيام لا يصبح فيه للحياة طعم.
يعد الحكم المملوكي حقبة زمنية عرفت بازدهار فن العمارة الإسلامي ووصفت بالعصر الذهبي للموسوعة العربية إذ تمكنت مصر والشام في القرن السابع الهجري من استقطاب العارفين والعلماء والفلاسفة والمؤلفين بعد اجتياح المغول لبغداد وتدميرهم لمكتباتها. وهو ما تبرزه رواية المفكر المصري يوسف زيدان بإبداع فني وترابط محبك للأحداث لا يمل منها القارئ.
إذ استطاع الكاتب من خلال رسم خطين متقاطعين يسرد فيهما حكاية شخصيتين، عاشت كلتاهما ثمانين سنة، واحدة مختلقة والأخرى حقيقية، تكتب فيها الأولى سيرة الثانية.
فالوراق هنا هو "نصري ابن القاسم" نساخ بارع مستتر تحت لقب "سفير" لإخفاء أصله ونسبه، هارب من الصعيد إلى القاهرة، وصل صيته إلى "علاء الدين علي بن أبي حزم" رئيس أطباء مصر والشام المعروف ب «ابن النفيس" القادم من الشام، العامل بالطب وتدريسه وتصحيح الكتب وتأليفها، كما كان طبيبا خاصا للظاهر بيبرس وصاحبه لمدة ولو اختلف معه في أمور السياسة وما يفرضه الحكم.
"وعزائي أن ملازمتي كانت خلال ذاك الشهر شبه تامة، لم يقطعها إلا سويعات نعاسه أو نوبات ألمه بسبب احتباس الأنفاس وضيق الصدر، وفيما عدا ذلك كنت دوما معه. يحادثني مثل الأب الشفيق، وينصحني كأنه الجد الجليل، وينظر إلي مثلما كان يرمقني خالي حميد وكم كنت أحن إلى تلك النظرة، ولا زلت، حتى بعدما بلغ عمري أرذله." ص. ١٤٠
فاختص العلامة العلاء بنسخ سيرة حياته عبر أمالي (جمع إملاء) يملي فيها على "سفير" الأحداث الفاصلة والتي كانت أغلبها مثقلة بأحداث جسام كالحملة الصليبية السابعة على دمياط في عهد الملك الأيوبي أو غزو المغول بقيادة هولاكو وما بينهما من مجاعات وأوبئة وتطاحن المماليك فيما بينها المتحالفة رغم الدم والغدر على الغزاة، في وقت ظل فيه المصريون متفرجين على تداول الحكم، "والحرب في عمومها إما دفاع مشروع أو ربح حقير".
"العلاء كان رجلا معروفا في حياته، وموقرا، وهو اليوم مشهور وكتبه تملأ أسواق الوراقين، وسوف تبقى لمئات السنين. فما الذي سيعود عليه من بقائها؟ هو أراد حسن الخاتمة، وتم له ما أراد، لكنها في نهاية الأمر خاتمة. وكل الخواتيم سواء، وكلها انتهاء، والنسيان سيلحق بالجميع في آخر المطاف. نعم، النسيان هو آخرة المطاف، والخلود وهم جميل. الخلود وهم." ص. ٢٧٩
وفي تقاطع الخطوط الزمنية لكلا البطلين، إدراك للكثير من القواسم المشتركة بينهما إذ كان الفقد والألم والرهبنة والصراعات الداخلية لكليهما سمات بارزة، كما أن الحياة المبعثرة في بعض الأحيان دفعت الشخصيتين في لحظة فارقة تحولية سواء للبحث عن "معنى للوجود ليكون للوجود معنى" أو التكرار النمطي الأجوف للأيام لا يصبح فيه للحياة طعم.
"فالكتاب يبقى نافعا من بعد ذهاب صاحبه، لمئات السنين، وبذلك أطرح عنس الأحزان والحسرات التي لا طائل من ورائها، إلا ضياع أيامي سدى... لا فائدة من الأسى على فوات حظ من مبهجات الحياة، فلا حظ لي أو ابتهاج، إلا في الدواة والقلم. نعم أنا قلم، وأوراق مكتوبة لتبقى من بعدي". ص. ٢٤٦
إن الارضية التاريخية التي اعتمدها يوسف زيدان، الحاصل للعديد من الجوائز العالمية عن روايته "عزازيل" واللغة المتناغمة الثرية اللائقة بمقام علامة فذ كابن النفيس وبظرفية اعتبرت من أزهى العصور علميا وثقافيا في شتى فنون المعرفة، تجعل مطالعة الرواية ممتعة تجذب القارئ من أولى الصفحات إلى كلمة الختام. وعلى عكس البعض لم تكن أبدا مخيبة للآمال لأنها أول ما أقرأ ليوسف زيدان ولم أكن أعلم شيا عن موضوع الكتاب، فلم أقع في فخ المقارنة أو التوقعات، بل كانت وثيقة تاريخية على شكل رحلة مشوقة.
