الترادف في الكتاب الحكيم
تأملات


تعتبر اللغة مع الرياضيات من أهم العلوم التي تضع المنطق والتحليل الفكري أساسا لها. بينما تعتمد الرياضيات على بناء نماذج خالية من التناقض وتستخدم التعميم والاستنباط، توفر اللغة القواعد الهيكلية للتفكير والتعبير الصائب، بربطها بين الإدراك الباطني واللسان الظاهري.
ومن أهم القواعد التي تؤسس عليها الأرضية المعرفية لفهم الكتاب الحكيم هي القول بعدم الترادف، الذي ذهب البعض لتأييده كغنى لغوي يسمح التعبير داخل مساحة واسعة. غير أنه واقعا يعكس التطور الزماني والتاريخي للسان.
لأن اللغة لم تنشأ دفعة واحدة بل في مراحل متلاحقة من النطق والفكر والإبلاغ، والتطور في التعبير من الأشياء الحسية التشخيصية (Concrete) إلى المجردة (Abstract).
فالألسن تتميز بالفروق اللغوية ولا تقبل المترادفات. فلا يمكن تفسير كلمة بكلمة بل بجملة لإيصال المعنى وكل لفظة تحمل دلالتها الخاصة، كما أن التفاضلية الذاتية منعدمة. بمعنى أن الكلمة وحدها لا توصف بالبلاغة ما دامت منعزلة دون سياق، كما لا تتفاضل في دلالتها على غيرها، إنما هو تركيبها وربطها بكلمات أخرى ما يعطي للجملة فصاحتها.
فعندما يخاطب المتكلم السامع لا يقصد أن يفهمه معاني الكلمات بل النظم (نظرية النظم لعبد القادر الجرجاني).
فالترادف تقارب أكثر منه تطابقا، مشتق من كلمة الردف. فنقول زيد أردف عمرا خلفه، أي صار قريبا منه لدرجة الملامسة، لكن زيد ليس هو عمرو.
تعتبر اللغة كلمات مثل قطف/قطر/قطع مترادفات، لكن لكل فعل معنى ودلالة : جنى/سحب/فصل.
وكان هذا أكبر تحد واجهه الكتاب والشعراء عند نزول القرآن -وتحدى الله أن يؤتى ولو بسورة مثله، وهو حقل إعجاز من حقول كثيرة- انعكس الخلط فيه بين المفردات إلى تخبط في التفسيرات.
على سبيل المثال :
فتياتكم/بناتكم
غلام/فتى
جاء/أتى
نزل/هبط
أب/والد
رب/إله
فعل/عمل
أراد/شاء
رتل/تلا
بعل/زوج
حول/سنة
بنين/أولاد
نزل/أنزل
قطع/قطّع
مس/لمس
تمام/كمال
كتاب/قرآن/ذكر/فرقان…
قد يضطر الإنسان أن يختار بين دقة العلم أو بلاغة اللغة، لكن أيا من النصوص الإنسانية لم تستطع إلى الآن التوفيق بين الاثنين.لأن آلية صياغة الكتاب الحكيم مختلفة تماما عن صياغة غيره من الكتب فهو معجز في علمه اللامتناهي وفي بيانه المطلق، فوق "علم النحو" لا مجال لاعتبار حرف زائد واحد فيه، وقد وضع الله مفاتيح فهمه داخله لا خارجه، وهو المفسر بعضه بعضا المتنادي فيما بينه.
وعليه يجب رؤية الدقة فيه لا الجمالية فقط : التدبر من منظور عالم لا شاعر، لاستنباط الأحكام التشريعية وتنمية الوعي الذاتي والمجتمعي.
