الصراط المستقيم

تأملات

3/13/20261 min read

مرت الأوامر الإلهية من المشخصة {لا تقربا هذه الشجرة} إلى مجردة {ألا تشركوا به شيئا}، إذ الشرك سلوك معنوي قلبي. تكررت هذه الأوامر وتطورت إلى أن وصلت مع البعثة النبوية إلى خط مستقيم من نقط توصل نهايته إلى التقوى

التقوى

فتقوى الإسلام في حقل التوحيد والابتعاد عن المحرمات

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}

وتقوى الإيمان، تقوى تكاليف

{فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}

وقد ميز الله بين:

التقوى الفردية محورها الشعائر، مثل الصيام

{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}

والتقوى التشريعية

{تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}

والتقوى الاجتماعية، المعاملات مع الآخر

واشتركت الرسالة اليهودية والمسيحية والمحمدية في الوصايا التي فرقها عن غيرها من التشريعات وسماها الكتاب الحكيم (الفرقان)

{وآتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون}

{ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل}

{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}

وهو الحد الأدنى من التعاليم الأخلاقية الملزمة للناس للتعامل فيما بينهم تعطي العنوان الأكبر للتقوى الإجتماعية، يضاف عليها غيرها من الأخلاقيات كالنهي عن :

الغيبة

النميمة

السخرية

التنابز

التجسس

الظن

اللمز

التفاخر

تعرف في الكتاب المقدس ب (الوصايا العشر) وكانت عبارة عن منهيات مختصرة في كلمات (لا يكن لك آلهة أخرى أمامي ؛ لا تقتل ؛ لا تزن ؛ لا تسرق ؛ لا تشهد على قريبك شهادة الزور ؛ أكرم أمك وأبوك...)

وجاءت تباعا في سورة الأنعام بصيغة المحرمات، من الآية ١٥١ إلى ١٥٣ وجزء منها في سورة الإسراء من الآية ٢٣ إلى الآية ٣٦

{ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} آية ٣٩ الإسراء

الصراط المستقيم

جاءت الوصايا على ثلاث مستويات :

التحريم

النهي

الوصية

تبدأ الآية ١٥١ سورة الأنعام ب {قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم...}

ألا تشركوا به شيئا

بالوالدين إحسانا

لا تقتلوا أولادكم من إملاق

لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن

لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق

{... ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون}

الآية ١٥٢

لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده

أوفوا الكيل والميزان بالقسط

إذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى

بعهد الله أوفوا (أي دستور مهني أخلاقي يقابله حنث اليمين)

{... ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون}

الآية ١٥٣

{وأن هذا صراطي مستقيم فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}

{ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}

خاصية هذه الوصية الأخيرة أنها تستوجب اتباع الوصايا السابقة جملة واحدة، فقد جاءت كلها بصيغة أمر مباشر عطف بعضها على بعض، وضرورة الالتزام بها مجتمعة لنيل مرتبة المتقين

في حين أن الخروج عنها يكون حسب البنود (تفرق بكم السبل)

إذ يستحيل واقعا أن تجتمع في شخص واحد كل هذه المحرمات من شرك وعقوق وزور وقتل...

ينظر إلى هذه الوصايا كقانون اجتماعي قيمي يربط أفراد بني الإنسان بعضهم ببعض بغض النظر عن البنية الاقتصادية والسياسية والعقائدية

{قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين}

لذلك صبغت بصبغة شمولية عالمية وهي إلاهية المصدر سارية المفعول بين الأفراد

الفاتحة

نقرأ في كل صلاة

{اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم لا الضالين}

تشرحها ثلاث آيات (٤٠ و ٤٧ و ١٢٢) من سورة البقرة يتكرر فيها

{يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم}

ذلك أنها أهم ركائز الدين جاءت مفروقة عن شريعة موسى وكانت منقوشة على الألواح {في نسختها هدى ورحمة} توابثه "مستقيمة" ومن انحرف عنها باء بغضب من الله أيا تكن ملته

{ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما}

{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا}

منافذ الشيطان

بدأ الدين بأمر التوحيد ومن بين ما أكمله (الوصايا العشر)، وبين هذا وذاك توعد إبليس {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم}، {إلى يوم يبعثون}

فليس للشيطان منافذ للإغواء والضلالة غير بنود الصراط المستقيم

فكما فتن إبليس آدم بالشجرة ووعده :

️الملك

️والبقاء (تعني ضمنيا أنه كان يرى نقيضه)

{فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}

يريد أن يستدرج بخطوات صغيرة تدريجية (Baby steps) لإبعاد الناس عن السبيل

{لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين}

ولا مداخل لوسوسات الشيطان إلا في المعاملات

فمواد الصراط المستقيم مرجعية عيش الدنيا ولا حاجة له في الآخرة

وبتقاطع الآيتين التاليتين من المهم قراءة (الوعود) كمحاور هيكلية للخطة الشيطانية وليست (أدوات)

{اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد}

{واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورَجِلِكَ وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}

استفزز : استصغر واستخف

من استطعت : في أكثر من موضع جاء أن الشيطان (يريد) لأنه فعليا لا يملك أداة التطبيق

{إن عبادي ليس لك عليهم من سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}

بصوتك : (ص و ت) جذر لكلمة صيت، فنقول فلان حسن السمعة وذائع الصيت، بمعنى (ذو شهرة واسعة) و (مكانة اجتماعية)

بخيلك : من الخيال (الوهم) والخيلاء (الإعجاب بالنفس) و (الكبر)

{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا}

لماذا تنتهي آية تنهى عن الشرك وتأمر بالإحسان بخبر أن الله لا يحب كل (مختال فخور)؟ تقابلها (تفاخر بينكم)

برجلك : بفتح الراء وكسر الجيم. لغة رَجِل الولد فهو مشاء، قوي وصلب. نفهم إذن القدرة والسلطة (سابقا {الرجال قوامون على النساء})

وشاركهم بالأموال والأولاد : لا الشراكة بل نصب الشَـرك والإيقاع في المكيدة، وهو أكبر فخ يمكن أن ينصبه الشيطان تكون الغاية فيه الزيادة في المال أو حماية الأولاد (تكاثر في الأموال والأولاد)

فمن أجل الجاه والسلطة والمال والأولاد يحتمل أن يقع المرء في المحرمات

وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا : وصفت كل أماني الشيطان في الكتاب أنها (غرور) أي أنها فيها من قلة النضج والسذاجة ما يجعلها غير قابلة للتحقق وبعيدة المنال (أماني كاذبة)

{وما متاع الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}

{فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور}

فيتبرء الشيطان يوم القيامة ممن تبعه ويقول

{وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم}

{كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين}

Related Stories