القدر
تأملات


انتقل التعبير عن المعارف من تعبير :
️تشكيلي، أن يرسم الإنسان شكلا شاهده مشاهدة مشخصة، متصلة مباشرة بالحواس
️لفظي، للدلالة عن الأشياء لغة وهذا الشكل الأعم للتعابير الإنسانية تكون مع نشأة الكلام وارتبط بالفكر
️كمي رمزي، وهو الأكثر تجريدا، ظهر في فترة متأخرة مع استعمال الرياضيات.
التعبير العددي
فالرقم والعدد كلاهما يعبران عن (الكم)
يعبر الرقم عن كم معرف
ويعبر العدد عن كم غير معرف
وظل العدد والرقم متصلين مع نشأة اللغة، لتطابق الكم والكيف معا
1 "شجرة" + 1 "شجرة" = 2 "شجرة"
وهو ربط بين المحسوس الفيزيائي (الشجرة) والمجرد (اللغة)
ثم انفصل الكم عن الكيف (الدال عن المدلول أو الأرقام عن الأشياء) في مرحلة ثانية من التجريد 1+1=2
فالتجريد العددي مرحلة متقدمة عن التجريد اللغوي
القدر
وهذان المفهومان لهما اصطلاحان في الكتاب الحكيم، مشتقان من جذر (ق د ر)
فالقدر، مبلغ الشيء وكنهه ونهايته
ومنه قدرة الله بمعنى استطاعته لنفاذ أمره في أي شيء يريده في كمه أو كيفه
{قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير}
فالقدر كما ورد في الآيات هو وجود الأشياء بكمها وكيفها معا : كنهها فالكم والكيف لا ينفصلان في الوجود الحقيقي للأشياء
لذلك جاء القرآن بقوانين الوجود، قوانين القدر، وهو الحق
{إنا كل شيء خلقناه بقدر}
{والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم}
{وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين}
{هو الذي جعل الشمس ضياءا والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون}
{وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين}
إن قانون الكم والكيف هو الذي سمح للإنسان دراسة الطبيعة وقوانينها
وبما أن القدر كم وكيف وغاية، فإن الوجود الكمي والكيفي معا للشيء يؤدي إلى قيامه بوظيفته
{سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى}
هداية الشيء (بصفة عامة) للقيام بالدور والوظيفة الموجود لأجلها
أما المقدار فهو تعبير (كمي) مجرد عن (الكيف) المادي
في الواقع المادي : شجرة + شجرة = شجرتان (قدر : كم وكيف)
بينما في الواقع المعرفي : 1+1=2 (مقدار)
{الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار}
الله يعلم : معرفة
ما تحمل كل أنثى : الحمل كيفي
ما تغيض الأرحام وما تزداد : زيادة ونقصان (كم) في الأرحام(كيف)
كل شيء عنده بمقدار : كم مجرد، تعميم الكم على معرفة الأشياء
{يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون}
فالوجود الموضوعي هو القدر
وأعلى درجات إدراك هذا القدر هي المقادير
ولفهم كيف تحصل المعرفة بالمقدرات (القدر) من خلال الأعداد (المقدار) يجب شرح :
العد
والإحصاء
(ع د د) مقدار ما يمكن عده
{...ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا}
(ح ص و) العد مع الإحاطة
{وكل شيء أحصيناه كتابا}
وورود الكلمتين في الكتاب يعني أن (أحصى) مختلفة عن (عَدَّ)
{لقد أحصاهم وعدهم عدا}
فهما فعلان متغايران مع وجود علاقة بينهما
ومن {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا}
نستنتج أن هناك إحصاءا آخر غير عددي :
كيفي : رسم الشجرة كوحدة متكاملة عند رؤيتها حسيا
لغوي : وصف الشجرة بكلمات تقرب حقيقتها للمتلقي
عددي : أخذ صورة كاملة عن وحدة الشجرة (كم متصل) بواسطة الجزيئات المكونة لها من جذور، أغصان، أوراق، جدع، لحاف، ثمار... (كم منفصل)
كأن تضع خلية تحت مجهر لدراستها
مثال الإنسان : كوحدة وكم متصل
لكنه مكون من وزن، طول، وحجم، وتريليونات من الخلايا، عظام، مسام، أوتار، أعصاب، خصلات، طبقات جلد، نهايات عصبية، مفاصل، أنسجة، أجهزة...
فالإحصاء هو الإحاطة بالشيء من خلال جمع وتنظيم وتفسير وتحليل للبيانات الكمية (مركباته) قصد تحويلها لمعلومات مفيدة لاتخاذ قرارات دقيقة
والإحصاء العددي علم رياضي تجريدي بحت. وهو من أرقى وأدق العلوم، فكلما زادت المعلومات العددية زادت الصورة وضوحا مع إمكانية التنبؤ
وفي الإحصاء يظهر مفهوم الأصغر والأكبر
{ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة أو كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا}
أما في العدد فتظهر القلة والكثرة
{...ولكن أكثر الناس لا يشكرون}
فالمقصود أكثر من شخص واحد
{لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا}
لذلك يقول تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}
يمكننا العد (نعمة 1, نعمة 2...) لكن يستحال علينا إحصاؤها
