المسلمون والمجرمون
تأملات


ربما في سياق العقيدة والفكر الدارج أن المسلم يقابله الكافر أو المشرك أو المرتد. غير أن التنزيل الحكيم ميز الفرق بين المسلمين والمجرمين في قوله تعالى {أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ كَٱلۡمُجۡرِمِینَ}.
الإسلام
فالإسلام دين الله الذي اصطفاه للبشرية جوهره إقرار أن لا إله إلا الله. وبُعث الرسل والأنبياء بالهدى والحق لتبيان {أَنَّمَاۤ إِلَـٰهُكُمۡ إِلَـٰهࣱ وَ ٰحِدࣱۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ}.
فالإيمان بالله واليوم الآخر يحقق التوحيد.
وخاصية الرسالة المحمدية، أنها خاتمة للكتب والمحرمات (على اختلاف الأجناس والأعمار والأزمنة) مانحة وسام التخرج للبشرية في نسختها المكتملة إنسانيا وقدرتها في عصر ما بعد النبوات على التشريع وتنظيم نفسها وسبر أغوار الكون لتأويل آيات الكتاب (رسالة ونبوة يكتمل ظهورها في التاريخ).
وللإسلام مستويات :
️فطري كوني {أَفَغَیۡرَ دِینِ ٱللَّهِ یَبۡغُونَ وَلَهُۥۤ أَسۡلَمَ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعࣰا وَكَرۡهࣰا وَإِلَیۡهِ یُرۡجَعُونَ}
️عالمي, بالقيم الإنسانية والتشريع الذي ينظم المجتمعات ويعطيه صفة العموم
️محلي، تنعكس ظلاله في تأدية الشعائر الخاصة المختلفة من ملة لأخرى.
فالإسلام فطرة والإيمان تكليف. لإن البعد الإنساني العالمي من الرسالة يحقق تنظيم الحياة الجماعية وإصلاحها، في حين أن الشعائر كإقامة الصلاة وصيام شهر رمضان للتقرب الفردي من الله تميز "المؤمنين" عن غيرهم.
{إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔینَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ}
فحينما يذكر الإيمان بالله وحده يقصد الإسلام.
الإيمان
شهادة (لا إله إلا الله) رأس الإسلام وشهادة (محمد رسول الله) رأس الإيمان.
{وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَءَامَنُوا۟ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدࣲ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَیِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ}
وبه يكون أتباع الرسول الأعظم هم المسلمون المؤمنون.
{هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِینَةَ فِی قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ لِیَزۡدَادُوۤا۟ إِیمَـٰنࣰا مَّعَ إِیمَـٰنِهِمۡۗ}
يهدف باستعمال "مع" المصاحبة والاقتران، وتفترض وجود شيئين معا.
لذلك تصح مقولة كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن.
{قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوۤا۟ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا یَدۡخُلِ ٱلۡإِیمَـٰنُ فِی قُلُوبِكُمۡۖ}
غير أن الخلط بين الاثنين وفهم {وَمَن یَبۡتَغِ غَیۡرَ ٱلۡإِسۡلَـٰمِ دِینࣰا فَلَن یُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَـٰسِرِینَ} على أنها تحصر الدين في أتباع الرسالة المحمدية أوقعنا في نفس خطأ {وَقَالُوا۟ لَن یَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَـٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِیُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَـٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ}
علما أن الله تعالى سبق وأوحى لنبيه أن كل الناس لن يكونوا من ملته والله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
{ وَمَاۤ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِینَ } و {وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِی ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِیعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ یَكُونُوا۟ مُؤۡمِنِین}
المجرمون
المعنى المادي لفعل (جرم) هو القطع.
فالمجرم من قطع صلته بالله بشكل كامل وأنكر وجوده بالمطلق ولم يعتقد بالبعث واليوم الآخر.
{فِی جَنَّـٰتࣲ یَتَسَاۤءَلُونَ*عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِینَ*مَا سَلَكَكُمۡ فِی سَقَرَ*قَالُوا۟ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّینَ*وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِینَ*وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَاۤئضِینَ*وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِیَوۡمِ ٱلدِّینِ}
ومنه المفهوم الاجتماعي لمرتكب الجريمة. أي كل من يأتي أفعالا تقطع صلته بالقيم الإنسانية والضوابط المجتمعية ويكون حكمه على الناس.
تكررت لفظة (سقر) في بداية سورة المدثر في قوله تعالى {سَأُصۡلِیهِ سَقَرَ} ويقال أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، ووقتها لم تكن الصلوات الخمس قد فرضت بعد.
وهنا كما في سورة الماعون ذكر البعد العقائدي (التكذيب بيوم الدين) والبعد الإنساني (غلظة مع اليتيم والقسوة اتجاه المسكين ومنع المساعدة).
