المريضة الصامتة
روايةأدب عالميتشويق
هناك شيء في الجو البريطاني المثقل بالغيوم والضباب ما يزيد حبكة القصص البوليسية ويساهم في تكثيف الغموض والتوتر، تذكرت هنا "فتاة القطار".
عبقرية أليكس ميكايليديس جعلت من روايته الأولى تمسك بك من الحنجرة وتتلاعب بأعصابك منذ البداية إلى آخر فصل، وكلما شعرت أن المحقق داخلك يمسك بخيط من خيوط الحقيقة، يتضح أنك لم تزدد إلا بعدا.


المريضة الصامتة هي أليسيا، فنانة تشكيلية متهمة بقتل زوجها بصورة بشعة، مختبئة خلف صمتها. فالموتى لا يتكلمون!
بعد ست سنوات، يظهر ثيو، يتصرف كشرطي أكثر منه معالجا نفسيا، ويصر على فهم نوعية الحياة التي عاشتها، ووسط أي جدران تم تشكيل شخصيتها... "لا يولد الغيظ الذي يدفع إلى القتل في الحاضر".
"كم هو مرعب ذلك بالنسبة إلى طفل، وكم هو صادم -تخيل كيف ينفجر شعورك بقيمتك كشخص وكيف يكون الألم كبيرا جدا، ضخما جدا لتشعر به، لذلك أنت تبتلعه، وتقمعه، وتدفنه. مع مرور الوقت، تفقد الاتصال بأصول الصدمة، تفصل الجذور عن السبب، وتنسى. ولكن ذات يوم، كل الأذى والغضب ينفجر فجأة، مثل النار من بطن التنين - ثم تلتقط مسدسا"
فمحور الرواية الأساس هو أرض ما وراء النسيان، ما وراء الذاكرة : الطفولة.
فنحن لا نتخلص أبدا من ندوب الطفولة التي شهدت العنف وسكنها الخوف، بل ندفنها عميقا ونظن أننا تعافينا... لتظهر لاحقا في شكل إدمان أو عدائية أو نزعة للقتل. في حضور الإيذاء وغياب الاحتواء، لا يمكن للطفولة أن تكون حقا مرحلة خلفنا، بل تقبع في الظل، تتحين الفرصة للانقضاض، مطالبة بتحقيق العدالة... "غالبا في وجه الهدف الخطأ"
"نحن كأطفال اسفنج بريء، ألواح فارغة -نسعى فقط إلى تحقيق الاحتياجات الأساسية الآنية : تناول الطعام، إخراج الغائط، الحب وأن نكون محبوبين. لكن شيئا ما خطأ يحدث، حسب الظروف التي نولد فيها، والبيت الذي نكبر فيه. لا يستطيع الطفل المعذب أن ينتقم في الحقيقة، لأنه لا حول له ولا قوة، لكنه يستطيع - ويجب عليه- أن يحتفظ بتخيلات انتقامية في مخيلته. الغضب، مثل الخوف، هو رد فعل في طييعته"
فيمكن للطفل الذي ذاق مرارة الإساءة أن يعود في هيئة بالغ يمد يده خارج النافذة ليلتقط رقائق الثلج ويتذوقها.
هنا تصبح الحدود رفيعة جدا بين المريض والمعالج، بين القاتل القتيل، من قتل من؟ ومن قام بالضغط على الزناد فقط!
يخاطر ثيو بمستقبه المهني، يطرح الأسئلة، يتطفل على الأقارب... وبالطبع هناك اليوميات التي تناقض ما يقوله الجميع.
كما يسلط الضوء على بروتوكولات المصحات النفسية ونجاعة العلاجات المعتمدة على التخدير والأدوية، لعزل المريض وإغراق ملفه بتشخيصات فضفاضة، بدل (شجاعة الجلوس مع الجنون).
"الهدف من العلاج ليس تصحيح الماضي، ولكن تمكين المريض من مواجهة تاريخه، والحزن عليه"
أحيي ذكاء وخيال الكاتب، الذي حرر ٥٠ مسودة قبل النتيجة النهائية، وهندسته البارعة للأحداث زمنيا، كما أرفع القبعة لفن المترجم محمد مفضل، الذي استطاع بقلمه، كالخمسون مترجما حول العالم، الوفاء للنسخة الأصلية. فالترجمة صياغة من جديد!
لكل تلك اللحظات الكئيبة التي تمر منا، يحتاج الجميع لرواية عالية الإثارة كهاته، تدفعنا لقلب الصفحات بشغف كبير، في يومين أو أمسيتين. وإذا آمنا أن الرواية هي أقصر طريق لإيصال المعلومة فلا يجب أن تظل المريضة الصامتة حبيسة صنف التشويق البوليسي بل التربية الحديثة وعلم نفس الأطفال.
Related Stories
Voyage au centre de mes livres © 2025
Votre Café littéraire en ligne
Ecrivez-moi
Abonnez-vous à la newsletter pour recevoir tout nouvel article
We care about your data in our privacy policy.
