علم بالقلم

تأملات

3/11/20261 min read

لقراءة القرآن خارج الإطار السردي التاريخي والتوسع به لآفاق معرفية يجب النظر لسير الأنبياء والأقوام السابقة كخط تطور زمني، تراكمت فيه المعارف والتشريعات منذ آدم وصولا لمرحلة النضج مع البعثة المحمدية. فالتراكم المعرفي يستوجب بالضرورة قفزات في المنظومة التشريعية

خط السير الزمني

قد ثبت الله تعالى ما يلزمنا معرفته من أحداث ونقلات داخل السور بعيدا عن التفصيلات الحشوية ما يطور نهجنا ووعينا، فاسحا المجال لبذل جهد التفكر والتعقل والتفقه

{قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق}

فقد عرف الإنسان مثلا مع آدم دفن الموتى، الذي يعتبر أقدم ظاهرة عرفها بمجرد انفصاله عن المملكة البهيمية، إذ انتقل حضاريا من ترك الجثث في العراء لمواراتها تحت الأرض

{فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه}

ومع نوح ظهر مفهوم الأسرة والدخول في عصر الأبوة كما صناعة الفلك

{فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا}

استقراره بمجرد تذليل الأنعام وبدء العمران مع هود

{أمدكم بأنعام وبنين}

️الملكية الخاصة وظهور الرق في زمن صالح

{وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا}

استدعت العلاقات التجارية وجوب القسط في الميزان والكيل في زمن شعيب إضافة إلى بروز مفهوم الرهط والعشيرة كوحدة سياسية

{... فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم}

انتشار الوثنية (عبادة الأصنام والظواهر الطبيعية) في عهد إبراهيم وإنهاء فترة القرابين البشرية وبداية الشعائر من صلاة وحج

{فيه آيات بينات ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}

داوود : الملك والحكم بين الناس والتفوق العسكري بإلانة الحديد وتعلم صناعة الدروع

{وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون}

وكما كان تدخل الله مباشرة للتنبيء والإرشاد وتسخير الطبيعة كما مع سليمان كان تدخله مباشرا لإهلاك الأقوام، لاستحالة تغيير الوضع القائم المتحجر من طرف الأنبياء

ما بعد الرسالات

لقد بدأ الوحي مع موسى بنداء {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري}، بينما كان أمرا مع سيدنا محمد {إقرأ} للإعلان عن بدء العملية التعلمية، في ستقلالية تامة للتصرف الإنساني بعد سيدنا محمد.

حيث أعطى الله الإنسانية الوسائل الكافية لتصير قادرة على التأويل والتشريع وتمكينها في الأرض لسبر أغوار الكون ضمن دائرة السنن الإلهية وفطرة الله التي فطر الناس عليها.

فالإنسانية مدينة لله في كل تطورها، فقد من عليها بالنبوات والإرشادات والتمكينات. وهذا الفضل لم يتوقف منذ بداية الخلق، دون انقطاع أو إهمال لقوله تعالى في أكثر من آية "أتم نعمتي"

️{فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون}

️{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}

فالتمام يعني إتيان الشيء دون انقطاع بعكس الكمال الذي يحتمه ضرورة.

كقوله :

️ {...فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة}

️{والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين}

مقابل

️{وأتموا الصيام إلى اليل}

️{وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر}

️{قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك}

وسيلة المعرفة

غير أن هذه المعرفة لم تعط للإنسان مباشرة، بل بإتاحة المفاتيح للتوصل إليها.

في آية الكرسي نقرأ {...ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}

وتفيد الباء في (بما) السببية والاستعانة، لبرط فعل الإحاطة بالأداة المستخدمة لتحقيق غاية العلم.

فما هي هذه الوسيلة التي شاء لنا الله التعلم بها؟

نجد في بداية سورة العلق أهم مفهومين عن الخلق والتعلم

{اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق}

في اللسان العربي يعني عَلِقَ الشيء أو بالشيء، "تعلق" به، نشب، تمسك وارتبط.

كأن يعلق الحيوان المنوي بالبويضة {من نطفة ثم من علقة} ويكون "علاقة". فيكون العلق مجموع الجمع لعلاقات. لأن الإنسان مخلوق من منظومة متكاملة لعلاقات كبيرة متداخلة فيما بينها حيث تحكم الهرمونات والجينات السلوك (بيولوجيا)، وتدير التفاعلات الجزيئية وظائف الخلايا (كيمياء)، بينما تحكم الميكانيكا الحيوية حركة الأعضاء (فيزياء). وتضمن هذه العلاقات التوازن الداخلي التكيف واستمرار الحياة عبر تفاعل الأعضاء والخلايا

{اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم}

ربط باء الاستعانة بالقلم لغرض العلم يفيد أن (القلم) هو الوسيلة التي مكنته من تعلم ما لم يكن يعلم وانتقلت في وعيه من المجهول للمعلوم

القلم

حين نقلم الشجر نهدف لإزالة الأغصان اليابسة لتشذيبها والعناية بتركيبها. كذلك مع تقليم الأظافر بغرض تنسيقها

{وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}

القرعة تقتضي تمييز الأقلام بعلامات خاصة لمعرفة أصحابها

فالتقليم هو تمييز الأشياء بعضها عن بعض والتفريق بينها وتصنيفها بغرض تسهيل الدراسة، وفهم التطور وخدمة مجالات الحياة الواسعة. وهذه العملية هي العمود الفقري للمعرفة الإنسانية وهي الوسيلة التي زودنا الله بها لمعرفة الوجود

يهتم علم التصنيف (Taxonomy)

️بدراسة

️تعريف

️تسمية

️تقسيم

الكائنات الحية وغيرها إلى مجموعات بناء على خصائص مشتركة وترتيبها

{ن والقلم وما يسطرون}

السطر في اللغة هو الصف من كل شيء (سطر أشجار/سيارات/كتب/منازل/جنود...) ويعرف ب"التنظيم الأفقي"

وإن فهم (ما يسطرون) حصرا في ما (يخطون) يعد المستوى الأول من التحليل. لأن تشابه القرآن (ثبات النص وتغير المحتوى) يعطيه الفوقية على الزمان والمكان والتمدد في المعاني. فلا وجود للقلم كأداة قرطاسية سابقا قبل اختراع الكتابة

أمثلة :

العين تقلم الألوان

الأذن تقلم الأصوات

الأنف يقلم الروائح

الجلد يقلم درجات الحرارة

والحواس نفسها مقلمة لخمس

المياه مصنفة إلى مياه ينابيع، معدنية، معالجة، مقطرة، غازية، جوفية، رمادية...

الأطعمة منقسمة لبروتينات، دهون، نشويات. وهي نفسها لمعادن وفيتامينات وأنزيمات وأحماض أمينية

الخلايا منقسمة لجدعية، عصبية، عضلية، دموية، عظمية، دهنية، جلدية...

انتقل الدم من مجرد سائل أحمر في العروق إلى فصائل من جهة وبلازما وصفائح وخلايا حمراء وأخرى بيضاء من جهة ثانية

طبقات الغلاف الجوي من الأرض للسماء هي تباعا التروبوسفير، الستراتوسفير، الميزوسفير، الثيرموسفير والاكسوسفير... كما أنه تتم دراسة مكوناته فتميز بين النيتروجين والاكسجين وغازات نادرة وبخار الماء والغبار...

أنواع الطاقة : الحركية (حرارية/ضوئية/صوتية/كهربائية) و كامنة (كيميائية/نووية/ميكانيكية..) ومصادرها متجددة (الشمس/الرياح/الحرارة الأرضية/الكتلة الحيوية) وغير متجددة (النفط/الفحم/الغاز الطبيعي/الوقود النووي)

مر الطب من العام للتخصصات الباطنية والجراحية وغيرها وصنفت الأمراض من معدية لغير معدية ونفسية ووراثية ومناعية..

أفاد "التقليم" البشرية والعلوم بتنظيم المعارف، وإيجاد دقة للمصطلحات وفهم الحضارات مما يسهل البحث العلمي ويطور الوعي الإنساني. فقد وفر قاعدة وظيفية متينة، بالإضافة إلى ترتيب العلوم لتسهيل دراستها وتبادل المعرفة، مساهما في نهضة فكرية وعلمية واسعة

Related Stories