الليالي البيضاء

روايةأدب عالميفيودور دوستويفسكي

7/31/20251 min read

إن عبقرية فيودور دوستويفسكي في دراسة نمط الحياة في روسيا القرن ١٩ وأعماق النفس البشرية في المطلق بكل تناقضاتها و تساؤلاتها والظلام الكامن في أركانها جعلت منه مؤسس المذهب الوجودي. فبطل القصة يعرف نفسه على أنه تعيس "لا يملك أي وسيلة لمعرفة أي امرأة"، حالم والحالم بنظره "مخلوق محايد" "يفضل الإقامة في زوايا لا يمكن الوصول إليها"، "ليس لديه من واقع الحياة إلا القليل جدا".

من أوائل الروايات القصيرة لفيودور دوستويفسكي، نشرت سنة 1848، وأول ما أقرأه له مترجم للعربية بعد "الإخوة كارامازوف" في نسختها الفرنسية.

وكان دوستويفسكي أول من استغل ظاهرة #الليالي_البيضاء التي تشهدها مدينة بطرسبرغ بين منتصف ماي ومنتصف يوليو، وهي ظاهرة فلكية تكون فيها الليالي مضيئة وإن غابت فيها الشمس، لا تعرف الظلام، تختلط في سمائها ألوان الشفق مع إمكانية رؤية النجوم. واجتمع النقاد على أن استخدام الكاتب لهاته الظاهرة يرمز لقصص الحب القصيرة. 

فالرواية التي لاقت استحسانا كبيرا وقدمت كإنتاج سينمائي حول العالم، تروي لقاءا عابرا بين نفسين وحيدتين تواقتين للأنس والصحبة الجميلة، ومشاركة حديث من "كلمتين" دون خجل أو تحقير، بتعاطف وأخوة مع الآخر، مع ميولها المعتاد للانطواء واللجوء للحلم والخيال كملاذ.

فالبطل هنا، مجهول الاسم، يبحر طيلة أربع ليالي في عمق كآبته وتعاسته التي لا تلمس في البداية. بل يظهر هذا الشاب مفعما بالحياة، يحاور الأشجار بابتسامة ويجد للبيوت صوتا وصدى، يتبادل التحيات مع الغرباء في الشارع.. لكن هو لقائه بناستينكا (الأسماء وتصغيراتها إحدى إشكاليات الأدب الروسي) التي كان يبحث عنها منذ مدة طويلة (فلقد كان يبحث عن شخص ما على كل حال يقاسمه حزنه ويشاركه تأملاته) هو الذي جعله يكشف أغواره وخبايا روحه المثقلة بالضجر والوحدة ويفصح لها بتلك الطريقة الرائعة "كأنه يقرأ من كتاب" عن أسرار العزلة والانطواء، ويسكب أمامها حبر انزعاجه وآماله واضطرابه.

وهنا تحضرني نظرية "المناعة العاطفية" وهشاشتها لأحلام مستغانمي. فبإمكان المرء الوقوع في حب أول شخص يصادفه إن أتقن المقابل فن الإصغاء والعزف على وتر التعاطف (والشفقة!). "فكل شخص حالم كان يعلم أن الوقت مؤقت لكنه تمسك به كأنه للأبد" منقول

"وهو لا يرغب في أي شيء، لأنه فوق الرغبات، لأن لديه كل شيء، لأنه شبعان، لأنه هو نفسه فنان حياته، ويخلقها بنفسه، في كل لحظة، وفق إرادته الجديدة. وبالفعل، يتخلق هذا العالم الخيالي الاسطوري، بكل سهولة وبشكل طبيعي جدا! كما لو أن كل ذلك لم يكن وهما! حقا، أنا على استعداد للاعتقاد أحيانا، أن كل هذه الحياة ليست هيجان حواس ولا سرابا، ولا خداع خيال، ولكنها شيء حقيقي، فعلي، موجود وقائم!" ص. 42

إن عبقرية فيودور دوستويفسكي في دراسة نمط الحياة في روسيا القرن ١٩ وأعماق النفس البشرية في المطلق بكل تناقضاتها و تساؤلاتها والظلام الكامن في أركانها جعلت منه مؤسس المذهب الوجودي. فبطل القصة يعرف نفسه على أنه تعيس "لا يملك أي وسيلة لمعرفة أي امرأة"، حالم والحالم بنظره "مخلوق محايد" "يفضل الإقامة في زوايا لا يمكن الوصول إليها"، "ليس لديه من واقع الحياة إلا القليل جدا".

وعلى خلاف الكثير فليست التضحية أو عذاب الحب من طرف واحد ما لفت انتباهي. بل لم تكن القصة العاطفية إلا القماش الأبيض الذي صاغ عليه المؤلف الفيلسوف لوحته الإنسانية. وحتى البطل في نهاية القصة لم ير بدا من إلقاء سحابة سوداء على سعادة حبيبته الصافية الهادئة أو أن يبعث الأسى في قلبها بالعتاب المرير. بل نبذ كل تعلق بذكراها إلا تعلقه بالحلم. وحقه في الحلم. وبناء مملكة الحاضر في اتساق مع الماضي، مع تواريخ وأماكن كان فيها سعيدا! وإن كان ذلك دون هدف في عالم بارد.

"أرى الناس الذين يعيشون، يعيشون يقظين، أرى أن الحياة بالنسبة لهم ليست محظورة، أن حياتهم لا تتبخر مثل حلم، مثل رؤية، أن حياتهم متجددة الشباب دائما وإلى الأبد، لا ساعة منها تشبه أخرى، بينما هو كئيب، ورتيب، إلى حد التفاهة، هذا الخيال المذعور، عبد الظل، الفكرة، عبد أول غيمة تحجب الشمس فجأة، وتصيب بالكآبة القلب الحقيقي البطرسبورغي، المغرم بشمسه... وأي خيال في هذه الكآبة ! إننا نشعر أنه في آخر الأمر يتعب، ينهك في التوتر الدائم، هذا الخيال الذي لا ينضب، لأننا نكبر، على كل حال، لأننا نتجاوز المثل العليا القديمة: التي تتفتت غبارا، تسقط حطاما، وإذا لم تكن هناك حياة أخرى، فمن الضروري بناؤها بهذه الأنقاض نفسها." ص. 47

فأكثر ما يؤلمه، وهو يدمن نظرته التأملية للشباب المتجدد لدى الغير، هو سؤاله الوجودي: فيما أضعت سنين عمري؟ وماذا افعل بأفضل اوقاتي؟ وهناك ما يقبض قلبه ويعتصر صدره أكثر من الفراق: إنها وحشة الوحدة! أن يفقد كل اتصال بالواقع، والخارج والحاضر. ويتمسك بأحلامه. كيف لا و"حتى الأحلام يجب عليها أن تقاوم للبقاء على قيد الحياة".

"آه يا ناستينكا، كم سيكون حزينا أن يبقى المرء وحيدا، وحيدا تماما، وألا يكون لديه حتى شيء يتأسف عليه، لا شيء إطلاقا... لأن كل ما فقدته، كل هذا، ليس شيئا، ليس إلا صفرا منقطا، غبيا، كل هذا لم يكن إلا حلما !" ص. 49

وهذا ما تؤكده نهاية الرواية في جزء "الصباح" حين تمر رؤيا مستقبله أمامه كلمح البصر، مزعجة و حزينة، و يرى نفسه كما هو بعد عدة سنوات في نفس المكان ونفس الغرفة.. هرما وحيدا!

Related Stories