الخلافات السياسية بين الصحابة
مقالاتبحوث


واستغرب كيف لأستاذ تاريخ الأديان ومهتم بالفقه السياسي أن يزعم أن "ثقافتنا التاريخية العليلة جزء من محنتنا الراهنة" و هو يدس السم في العسل ويحرم القارئ من جهد التبيين و إحكام العقل. أن الباحثين عن الحق يأتون الموضوعية والحقيقة كاملة دون الالتفاف عليها والموضوعية تقتدي الإتيان بروايات الفرق وإن لم ترح ضمير الباحث وطرحها ومناقشتها دون تعديل أو تجريح أو اللجوء ل"غمامة" على عين المتلقي وشل وعيه أو توجيهه
كتاب قراته في أقل من يوم، و هذا رقم قياسي، ليس لسهولة لغته، لكن لأزيح عبئه عني وأتمكن باسم الله الآخر أن أبدي رأيي (المتواضع) في كل نواقصه.
في محرم الماضي اقترحت منى حوا هذا الكتاب، فتوسمت فيه خيرا (ولو قامت وقتها بإرفاق نسخته الرقمية ما يعد سرقة أدبية مكتملة البنيان، فالكاتب لا يزال حيا يرزق) وظننته مقربا للمذاهب فإذا بي أجد، من جهة، هذه الطبعة مصدرة من الشيخ القرضاوي و مقدمة من الغنوشي. فالأول أيد عاصفة الحزم ضد اليمن، و الثاني صمت عن الإبادة في غزة.
ليكون اعتماد "مجمع فتاوى" ابن تيمية، مقدما إياه "كشيخ الإسلام" روحة ورجعة، كعمود فقري لهاته الرسالة النقطة التي أفاضت الكأس. و هو الذي أفتى أن جهاد الشيعة مقدم على من سواهم و أن قتلهم و أموالهم مباح!! ولو أن محمد بن المختار الشنقيطي، عنون كتابه "الخلافات السياسية بسن الصحابة، وفق منهجية ابن تيمية" لكان أصدق و أبلغ رفعا لكل حرج.
فأول ما نلاحظ في هذه الرسالة التي أراد لها المزج بين الفقه السياسي وعلم التاريخ، لتوضيح الخلافات التي وقع فيها الصحابة في الصدر الأول للإسلام، أنها :
لا تعرف ماهية هاته الخلافات ولو أشار في مقدمته أن أزمة الأمة الإسلامية بدأت بذرتها "ليلة السقيفة" معرجا على حرب الجمل ومعركة صفين. ولا نجد استدلالا صريحا أو تشريحا عقلانيا لأزمة الأساس إلا في ما جاء في الجزء الأخير من الكتاب، وهو جزء خصصه الكاتب كمآخذ عن ابن العربي.
"لقد انتصر المجتمع الإسلامي الأول على الردة الاعتقادية التي ثارت في أطرافه، لكنه انهزم أمام الردة السياسية للتي نبعت من قلبه. والردة- كما يقول ابن تيمية- قد تكون عن الدين كله، أو عن بعض الدين. وتلك الردة السياسية المتمثلة في تحويل الخلافة إلى ملك هي التي رسمت صيرورة الحضارة الإسلامية ومآلها، ولا تزال تتحكم في حياة المسلمين حتى اليوم." ص. 59
تؤكد مرارا وتكرارا أن الأمة لن تخرج من أزمتها التاريخية (وهي أزمة دستورية بالأساس) إلا إذا أدركت كيف دخلت فيها، بعيدا عن تقديس الأشخاص بل حفظا للمبادئ (الوحي مقابل التاريخ)، و هو الذي وقع فيما انتقد فيما يخص ابن تيمية. فلم يكتف بحصر الدراسة واعتماده لمنهجه وحده (وهو ما عارضه فيه راشد الغنوشي قائلا "أخذ يداخلني بعض الحرج من شدة تكثيف التمركز حول ثراته، وكأنه في كفة وبقية علماء الإسلام أولهم وآخرهم في كفة، وقد يرجحهم...!") بل أفاض عليه من التبجيل والإجلال واصفا إياه بالدراية التامة و النقد الصريح والرؤية المتوازنة و القدرة على التأصيل الباهر مؤيدا بثقافته الواسعة و مدد لا ينضب في القدرة على التقويم و التصحيح و الاعتدال في الحكم على الأمور، الخ...
وهو الذي ولد وألف ما ألفه قرونا عدة بعد هاته الفترة الحرجة من الاحداث!
تزعم اتباع منهج الباحثين عن الحق وتعريف الرجال لحقهم وللحق حقه. غير أن الباحثين عن الحق يأتون الموضوعية والحقيقة كاملة دون الالتفاف عليها والموضوعية تقتدي الإتيان بروايات الفرق وإن لم ترح ضمير الباحث وطرحها ومناقشتها دون تعديل أو تجريح أو اللجوء ل"غمامة" على عين المتلقي وشل وعيه أو توجيهه.
لكن العكس هو الذي تم العمل به. فتارة يقصي الرأي المخالف متجاهلا إياه أو حشره في زاوية مظلمة جاهزة كقوله "الجهلة الشيعة" أو "الغلاة" أو "أهل البدع".
واستغرب كيف لأستاذ تاريخ الأديان ومهتم بالفقه السياسي أن يزعم أن "ثقافتنا التاريخية العليلة جزء من محنتنا الراهنة" و هو يدس السم في العسل ويحرم القارئ من جهد التبيين و إحكام العقل. فلم يكن عنده مانع من إدراج رد الشيخ على المخالفين، أو الاستدلال في باب "اجتماع الأمانة والقوة في الناس في الناس قليل" بقول الحافظ الذهبي والثناء على معاوية في قوله "من خيار ملوك الأمة الذين غلب عدلهم على ظلمهم" أو "فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه...وقوة دهائه ورأيه" (ص. 116) وكان له من الموانع ما جعله يغفل باقي الروايات.
وقد ساوى بين "الجبرية الأموية" و "الكربلائية الشيعية" وجعلهما وجهان لفلسفة واحدة، من حيث المنهج و الانتقاد التاريخي تحت مسمى "أن ما كان هو حدود الإمكان"دون التعرض لمظلومية الشهيد بل اكتفى بقول السيوطي "وقد وردت في مقتل الحسين قصة طويلة لا يحتمل القلب ذكرها" ص. ١٢٠
فبرأيه، يحق للباحث مثلا القول بأن الحسين بن علي ارتكب بعض الأخطاء بمبالغته في تقدير قوة أنصاره بالعراق وعدم استيعابه للمعادلة السياسية و العسكرية القائمة هنا، كما إساءة التقدير الذي وقع فيه أهل المدينةفي ثورتهم على يزيد بن معاوية (وهو الذي يتناول المسكر ويأتي المنكر) والتي انتهت بفاجعة "الحرة" و اتخذها يزيد ذريعة ليعيث فسادا في مدينة النبي عليه وعلى آله السلام.
"لقد قاتل علي و الحسين وأهل المدينة وابن الزبير من أجل الحق والعدل، وقاتل خصومهم من أجل السلطة والثروة." ص. 185
اعتمدت هذه الدراسة على اثنتان وعشرون قاعدة منهجية استخرجها من دراسات ابن تيمية في كتاباته تصريحا أو استنباطها تلميحا من خلال تحليلاته لخلافات هاته الفترة التاريخية. فنجد منها التثبث في النقل والرواية، استصحاب فضل الأصحاب، الأخذ بالنسبية الزمانية، الابتعاد عن التكفير وعن الاتهام بالنفاق، والحكم بالظواهر والله يتولى السرائر...
قد تكون هذه المراجعة مخالفة لسابقاتها لقوله عز وجل "يستمعون القول فيتبعون أحسنه"، إلا أن حرصي لتوفير الوقت و الجهد يدفعني لعدم ترشيحها.
