الإنسان والبحث عن المعنى

علم نفس

5/19/20261 min read

لم تكن تجربة معسكر الاعتقال النازي وراء الإنسان والبحث عن المعنى، الكتاب الذي "يحدث فرقا" والأكثر تأثيرا في حياة الملايين عبر العالم. بل إن ذكاء فيكتور إيميل فرانكل ساعد في توليه مبكرا مهمة إرشاد الشباب الذين يعانون من اضطرابات في فيينا وهو الذي ألقى محاضرة في السادسة عشر من عمره، حول معنى الحياة قائلا للجمهور "علينا أن نجيب عن الأسئلة التي تطرحها الحياة علينا، ولا يمكننا الرد على هذه الأسئلة إلا من خلال أن نكون مسؤولين عن وجودنا"

فلطالما قرن فرانكل مفهومي الحرية والمسؤولية ورأى أنه من الخطر بما كان ممارسة الأولى دون ربطها بالثانية، بشكل فريد وخاص، واعتبر لاحقا أن نوعية الشخصية التي آل لها السجين هي نتيجة (قرار داخلي) في الطريقة التي يحمل بها صليبه ؛ رافضا النظر للإنسان تحت منظار (ليس إلا)، وإن كان محدودا ومقيد الحرية، فحريته ليست تلك التي تحرره من الظروف، لكنها حرية اتخاذ موقف اتجاه الظروف

️"لكن الحرية ليست نهاية المطاف. فهي ليست سوى جزء من القصة ونصف الحقيقة. الحرية ليست سوى الجانب السلبي للظاهرة كلها التي لها جانب إيجابي هو المسؤولية. في الواقع، تكون الحرية في خطر أن تتدهور إلى مجرد تعسف ما لم تمارس مرتبطة بالمسؤولية. لهذا السبب أوصي بأن يتم استكمال تمثال الحرية على الساحل الشرقي بتمثال المسؤولية على الساحل الغربي"

إذ يمكن للحياة أن تحتفظ بمعناها رغم جوانبها التراجيدية، وهو ثالوث مكون من الألم/الشعور بالذنب/الموت، مجيبا أولئك الذين توقفوا عن توقع أي شيء من الحياة، بأن الحياة لازالت تتوقع منهم شيئا!

️"ولهذا السبب أتحدث عن التفاؤل التراجيدي، أي التفاؤل في مواجهة التراجيديا وفي ضوء الإمكانيات البشرية التي تسمح دائما بأفضل ما تستطيع 1) تحويل المعاناة إلى إنجاز إنساني عظيم ومتكامل ؛ 2) أن يستمد الإنسان من الشعور بالذنب فرصة لتغيير نفسه إلى الأفضل ؛ 3) أن يستنتج من زوال الحياة دافعا لاتخاذ إجراءات مسؤولة.

وهذا ما تطرق له الطبيب والمؤلف النمساوي في الجزء الثاني من الكتاب الذي حمل فور صدوره سنة 1946 عناوين مختلفة منها "من معسكر الموت إلى الوجودية" و "نعم للحياة رغم كل شيء"، حيث توسع في شرح نظريته الخاصة (العلاج بالمعنى) Logotherapy التي يركز فيها العلاج على المستقبل والمعاني التي يمكن للمريض أن يجدها، بل التي (عليه) أن يبحث عنها.

وهنا تقاطع مع مفهوم الإيكيجاي الياباني، فالحياة والهدف والاستمرار هي الأعمدة الثلاث التي يحملها مفهوم إيكيجاي والذي يترجم تقريبا (لسبب الاستيقاظ كل صباح).

️"وكان هناك دائما فرصة للاختيار. في كل يوم، وفي كل ساعة، كانت تسنح فرصة لاتخاذ قرار يحدد ما إذا كنت سوف تخضع أم لا لتلك السلطات التي هددت بأن تسلبك ذاتك وحريتك الداخلية، قرار يحدد ما إذا كنت سوف تصبح ألعوبة في يد الظروف، متخليا عن الحرية والكرامة ليتم تشكيلك في الشكل المعتاد الذي يتسم به السجين"

فالسعي لإيجاد معنى في حياة المرء هو القوة التحفيزية الأساسية للإنسان وليس (تبريرا ثانويا) للغرائز. ويقدم فرانكل نظريته (إرادة المعنى)، ومحورها تغذية الحرية الداخلية للمرء وتقوية (القبضة الروحية) التي تجعله صلبا أمام الأزمات دون انهيار، كمدرسة ثالثة للعلاج النفسي مقابل المدارس الأخرى التي تتحدث عن (إرادة القوة) لدى ألفريد أدلر و (إرادة اللذة) كما يقدمها سيغموند فرويد

*(فيينا مهد التحليل النفسي على ما يبدو!)

وما على المعالج بالمعنى إلا (توسيع المجال البصري للمريض وجعل طيف المعنى الكامل في مجال إدراكه).

️"إن ما يسمى بتحقيق الذات ليس هدفا يمكن تحقيقه عموما، لسبب بسيط هو أنه كلما سعى المرء أكثر من أجله، افتقده أكثر. وبالتالي، لا يمكن تحقيق الذات إلا على هيئة أثر جانبي لتجاوز الذات"

كما يتطرق في هذا الجزء لمفهوم (الفراغ الوجودي) المسبب الرئيسي لثلاثية العدوان والإدمان والاكتئاب كنوع من العصاب الجماعي في عصرنا الحاضر، المتجلي عادة في حالة (الملل) و (العدمية)، ليست التي تؤكد أنه لا يوجد شيء، بل تنص على أن كل شيء لا معنى له.

️"لم نكن نأمل في السعادة، فلم تكن هي التي أعطتنا الشجاعة وأعطتنا معنى لمعاناتنا وتضحياتنا وموتنا. ومع ذلك لم نكن على استعداد لاستقبال التعاسة"

أما الجزء الأول فقد تناول فيه، بصورة واقعية قصص السجناء الذين تخلوا عن الحياة، و (أرخوا قبضتهم الداخلية). إذ لم يكن موتهم نتيجة نقص في الطعام أو الدواء بقدر ما كان نتيجة فقدان الأمل. على عكسه هو، الذي نجا بأعجوبة مثل (شعلة منتشلة من نار) بسبب الكثير من الحظ وبإستدعاء طيف زوجته وإمكانية إعادة كتابة مخطوطته التي فقد في أول يوم في المعسكر.

️"لقد كنا جميعا ذات يوم "أشخاصا بشكل ما" أو كنا نتخيل أننا كذلك. الآن كنا نعامل على أننا بلا هوية على الإطلاق. صار المرء رقما بكل معنى الكلمة. (إن وعي المرء بالقيمة الداخلية يرتكز على أشياء أسمى وأكثر روحانية، ولا يمكن أن تهزه حياة المعسكر. لكن كم من الرجال الأحرار، ناهيك عن السجناء، الذين يتمتعون بهذا الوعي؟)"

فاستحضار الماضي، وتذكر المحبوب والاهتمام بالسياسة والدين، كما روح الدعابة كلها (حيل وأسلحة) تعلمها السجناء أثناء (فن إتقان الحياة)، سمحت لهم بالتشبت بالأمل في بيئة كانت ترحب بفكرة الانتحار. في حين أن المؤلف، انطلاقا من رغبته في الحياة وغريزته في الحفاظ على الذات، قدم لنفسه وعدا منذ الأمسية الأولى (بعدم لقاء الأسلاك).

وكما صنف فيكتور فرانكل هاته الدوافع في :

العمل (إذا كنتم ترغبون في البقاء على قيد الحياة فهناك طريقة واحدة فقط : أن تبدوا صالحين للعمل)

الحب (إن خلاص الإنسان يكون من خلال الحب وفي الحب وهو يتأمل الصورة التي يحملها لمحبوبه أن يحقق شعور الرضا)

والمعاناة (ليست ضرورية للعثور على المعنى لكن المعنى ممكن رغم المعاناة)

فقد قسم ردود الفعل الطبيعية حسب مراحل الدخول للمعسكر:

الصدمة

اللامبالاة النسبية

وتبلد الشخصية لحظة التحرر.

️"من المؤكد أن الناس يميلون إلى رؤية حقول قش الزوال فقط في حياتهم ولكنهم يتجاهلون وينسون مخازن الحبوب الكاملة، مخازن الماضي التي جلبوا إليها حصاد حياتهم : الأفعال التي فعلوها، والحب الذي أحبوه، وأخيرا وليس آخرا، المعاناة التي مروا بها بشجاعة وكرامة"

يعد فيكتور فرانكل إلهاما للعديد من علماء النفس الإنسانيين. السجين الذي خرج من المعتقل وحيدا تماما، فاقدا لكل شيء جعل من التحديات انتصارات وأدى تفاؤله وإصراره على الأمل لإنقاذ حياة الناس من الضياع جاعلا البحث عن المعنى (مفتاحا للصحة العقلية) فكان معنى حياته مساعدة الاخرين في العثور على معانيهم.

Related Stories

Voyage au centre de mes livres © 2025

Votre Café littéraire en ligne

Ecrivez-moi

Abonnez-vous à la newsletter pour recevoir tout nouvel article

We care about your data in our privacy policy.