الحي اللاثيني
أدب عربيرواية


لعل كل هذا الطرح الحضاري جعل منها معلما من معالم الرواية العربية الحديثة. إلا أن أيا من المشيدين بها من كبار الكتاب لم يجد أي ضرر أن تكون الرواية الصادرة سنة 1953, ذكورية بامتياز. بل ومنهم من اتخد علاقة البطل بالنساء "تجربة يطل منها على آفاق كبيرة في الحياة" و لم تكن المرأة سوى وسيلة لا غاية في الإبحار بين أمواج التيه والحرمان لبر النفع العام والمعنى
لعل تناول العلاقة بين الشرق والغرب وأثر الاختلافات الثقافية والحضارية التي لابد للطلبة العرب، على اختلاف أطيافهم وأزمنتهم الاصطدام بها حين حط الرحال بأوروبا، جعل "الحي اللاثيني" من أهم روايات الأدب العربي الحديث وإدراجها، وإن لم تفز بأي جائزة، ضمن قائمة أهم ١٠٠ رواية صدرت في القرن الماضي.
فكل شاب من هؤلاء، مثقل بحمولة ماضيه، وتقاليده، وعاداته، يمثل روحا ضائعة تسعى لقتل ودفن قلقها وخوفها في أحضان الملذات والنوادي والجامعات والمقاهي.
"كل ما في الأمر أن الخيوط بينهم مقطعة، والرابطة مفقودة. و أنهم لواجدون أنفسهم، متى وجدوا هذه الرابطة. ويومذاك فقط، لن تستطيع أن تتجنبهم، ولن يتجنبهم أحد منا. لأنه سيكون لرسالتهم قوة جاذبة تكوي بنار المحبة والاحترام كل من ينظر إليهم." ص. ٨٣
فتغدو مثلا باريس بكتابها من ألبير كامو وسارتر ومسارحها الغنية مسرحا للنفس الإنسانية والأرواح المذعورة الراحلة غربا وشمالا لاكتشاف ذواتها، بين الحقيقة والقناع، وصدى لحوار الأنا و الآخر.
"إنهم لا يوحون بالنفور. وأنت ان تنفر منهم إذا أدركت أنهم شبان قلقون، يبحثون عن أنفسهم. إننا جميعا، نحن الشبان العرب، ضائعون يفتشون عن ذواتهم بأنفسهم. ولا بد أن نرتكب كثيرا من الحماقات قبل أن نجد أنفسنا..." ص. ٨١
فيمكن اعتبار هذا العمل الأدبي ردا على محاولات الاستشراق في أن يحصر الشرق في رمال وصحراء ونماذج التأخر و "همجية" تؤكد مساوئ العربي كما قرأ عنها الغربي وسمع، و لفتة للنزعة الاستعمارية لدى الأبيض وإن إدعى غير ذلك.
"وقد بات معلوما اليوم أن السلطة تشجع قيام هذه الأحياء الخاصة في باريس وتترك لها أن تعيش حياتها الخاصة، بما فيها من جهل وفقر وانحطاط.. إن السلطات تشجع هذه الأحياء، وتدع لها طابع الحياة المستقلة، لتقيم الدليل على أن هؤلاء المقيمين في باريس، لا يستحق مواطنوهم أن ينعموا بالحرية والاستقلال. إنه الاستعمار يتوسل بكل وسيلة ليظل ثابت الأقدام في بلادنا." ص. ١٦٨
ولعل كل هذا الطرح الحضاري جعل منها معلما من معالم الرواية العربية الحديثة (نجيب محفوظ). إلا أن أيا من المشيدين بها من كبار الكتاب لم يجد أي ضرر أن تكون الرواية الصادرة سنة 1953, ذكورية بامتياز. بل ومنهم من اتخد علاقة البطل بالنساء "تجربة يطل منها على آفاق كبيرة في الحياة" و لم تكن المرأة سوى وسيلة لا غاية في الإبحار بين أمواج التيه والحرمان لبر النفع العام والمعنى ؛ يعبر من خلال نذالته وغياب الندم في قضية هو فريق أساس فيها إلى فكرة "الشرف العربي" و"القومية".
"إن في هذا الشعور إرهاصا بأن دنياك التي كنت تعيش فيها دنيا ضيقة الحدود. إنك تنشد الآن السعة، وإن هذا لهو شعور الجيل كله، جيلنا. إن كل وطن من أوطاننا ضيق، وإن علينا أن نسعى لتوحيد الأوطان إذا شئنا ألا نحس بعد بالاختناق./وإن بوسعنا أن نتصل بإخوان لنا كثيرين من هؤلاء الذين تجمعنا بهم وحدة الروح والقومية والتاريخ واللغة والأرض. فلماذا لا نحاول أن نوقظ نزعاتنا الكامنة في أعماقنا، ونصهرها في بوتقة واحدة؟". ص. ٢٣٢-٢٣٣
فالمرأة هنا مجرد وسيلة لكشف الذات وتحرره من قلقه الدائم.
"أضحت المرأة أحد همومي ولكنها ليست همي الرئيسي" / "أنا لا أنكر أنها تعينني كثيرا على مواجهة سائر هذه الهموم"
فهي إما أم متسلطة تحطم شخصه وتلغي ذاته وتملي عليه ما ترتئيه هي في قضيته هو في عبودية وانقياد تامين ؛ أو شابة شرقية لا تجرأ على مناقشة مستقبلها الأكاديمي أمام عائلتها، ربيت على تقديس جسدها، لا حبا أو عبادة بل خوفا وحذرا. أما الفرنسيات فهن منفلتات متحررات أكثر من اللزوم.
وحين قدر له التعرف على من كانت تعرف قيمة الروح لأنها تعرف قيمة الجسد، تلك التي "منحت حبها كل إمكانيات وجودها، حتى لم تستبق لها في مواجهة تصاريف الزمان أي رصيد، في إخلاص يساوي التفاني، وعطاء يستنفد الغنى كله، فيكاد يفضي إلى الفقر"
"سأصارح حبيبي العربي بأني سأحبه كما تحب المرأة الرجل في الشرق، لا تطلب مقابلا، ولا تنتظر عروضا. لا أدري أين قرأت هذا. ولكني أعتقد أنه الحب الصحيح، لأنه التفاني كله والإخلاص..". ص. ١٦٤
حينذاك، أدار لها ظهره هاربا ممتعضا من الإرهاف في الإحساس والحضور في الفكر والسرعة في الإدراك ولمعات الذهن، و كأن شبح غياب المسؤولية يُصرف بطقوس محاضرات الرابطة ليصبح ذاك المواطن الشريف الذي يحتاجه الوطن العربي، حين يعود
