أنواع الحاكمية
تأملات


يخبرنا القصص القرآني كيف مرت حاكمية الله بثلاث مراحل :
التدخل المباشر مع بني إسرائيل (تفجير الصخر، شق البحر، تنزيل المن والسلوى، حتى الحرب قالوا لموسى "اذهب أنت وربك فقاتلا"، وهذا هو التفضيل الذي فضلهم الله به على غيرهم
تسخير الجبال والرياح لداوود وسليمان كخلفاء في الأرض
التدخل غير المباشر بعد بعثة الرسول الأعظم (إلا في معركة بدر إذ نسب تعالى قتل الكافرين لنفسه)
وذلك لأنه مع الرسالة المحمدية انتقلت الإنسانية لمرحلة متقدمة من النضج تسمح لها بالتصرف المستقل. فقد هيئت الرسالات منذ نوح لمحمد الضمير والمعرفة الإنسانية ليصبحا قادرين على :
️️قبول الحرام والالتزام به طوعا لا تفاديا للعقوبة
️دراسة الوجود وسبر أغوار الكون
{قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيب ويميت فآمنوا به ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون}
تحمل هذه الآية ثلاث إشارات جوهرية :
يا أيها الناس/إليكم جميعا : لكل أهل الأرض، عالمية الرسالة
رسوله النبي الأمي : جاء الرسول بتشريع جديد مع نبوات وألغى كل الشرائع السابقة (بحث النبي الأمي)
يؤمن بالله وكلماته : الإيمان بالله الحق والوجود الحق، فكلمات الله هي الوجود وفي ذلك دعوة لدراسته ودراسة قوانينه
الحاكمية الإلهية : تثبيت الحرام
{الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}
خاتمية الرسالة المحمدية أدت لانقطاع الاتصال بين السماء والأرض فيما يخص التشريع. فقد ثبت الله الحرام وختمه
{قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}
فآيات الحرام محكمات، وكغيرها من الآيات المحكمات (أم الكتاب)
{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب}
لا يدخل عليها
ولا اجتهاد فيها بزيادة أونقصان
جاء تفصيلها داخل الكتاب
{الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}
{... وقد فصل لكم ما حرم عليكم}
فلا يحق لأحد تحريم حلال أو تحليل حرام، بل يستدعي ذلك بعث رسول جديد مع نبوات جديدة تصديقا لما بين يديه
فصفة الحرام أنه :
شمولي : للصغار والكبار، للنساء والرجال
أبدي : من ألف سنة والآن وبعد آلاف السنين (غير ظرفي)
المحرمات في الكتاب، وهي الخبائث، كالتالي :
١. الشرك بالله {ألا تشركوا به شيئا}
٢. عقوق الوالدين {وبالوالدين إحسانا}
٣. قتل الأولاد {لا تقتلوا أولادكم من إملاق}
٤. الفواحش {حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن}
٥. الإثم والبغي بغير الحق {قل إنما حرم ربي... والإثم والبغي بغير الحق}
٦. قتل النفس {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}
٧. شهادة الزور {وإذا قلتم فاعدلوا وإن كان ذا قربى}
٨. الأكل {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب}
٩. نكاح المحارم {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم....}
١٠. الربا {أحل الله البيع وحرم الربا}
١١. الغش في الكيل وزنا ومواصفات {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط}
١٢. أكل مال اليتيم {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده}
١٣. النكث بعهد الله والمواثيق {وبعهد الله أوفوا}
١٤. الكذب على الله
{قل إنما حرم ربي... وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}
{ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب}
فتحريم الحلال يدخل ضمن نطاق المحرمات لأنه مسبب للأغلال التي جاء الرسول النبي الأمي لوضعها
الحاكمية الإلهية الإنسانية : ممارسة النواهي
على عكس المحرمات الإلهية، فالممارسة الإنسانية للنواهي تنطبق عليها قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان. إذ تخضع مراقبة الأنشطة العامة والتحقق من التزام الأفراد للقوانين الوضعية وغالبا ما تكون لأغراض الأمن والعدالة
أمثلة :
نهى الله عن التجسس، لكن لدواعي أمنية يمكن السماح به بطلب قانوني ومراقبة السلطات
تقوم الجهات المعنية بتحديد حد "العمولة التجارية" بينما تعاقب على الرشوة تحت بند (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)
هناك دول تمنع القمار وتجرمه وتسمح باليانصيب وتستعمل الأدوية المخدرة والكحول لأغراض طبية جراحية مقننة (لا تقربوا الخمر والميسر)
يعاقب القانون على التشهير وبعتبره جريمة بينما يسمح بالنقد الذي تمارسه الصحافة والجمعيات بهدف تبيان الأخطاء وتصحيحها (لا يسخر قوم من قوم)
فالممارسات هنا تكون ظرفية وحسب الشروط تقننها البرلمانات وتنظمها
الحاكمية الإنسانية : تنظيم الحلال
الحلال مطلق ولا يمارس إلا مقيدا والحياة اليومية تخضع لقاعدة (الأصل في الأشياء الحلال إلا ما حرم)
فتنظيم الحلال يكون بين السماح والمنع (لا الحلال والحرام، فأمور مثل الشرك بالله والقتل والعقوق والسرقة لا تخضع لتصويت بربماني لمعرفة من مع ومن ضد) في مختلف مجالات الحياة بسن قوانين يتبعها الأفراد. فالسلطة التي تشرع تنتخب (برلمان أو مجلس الشعب) ولا تأخذ شرعيتها من الدين (بحث الدين والسلطة)
فانطلاقا من (لا) النافية في (لا إكراه في الدين) جاء الانفصال التلقائي بين الإكراه والتشريع
أمثلة :
. قانون السير
. الاستثمار
. القانون العقاري
. الصناعات والتجارة
. الاستيراد والتصدير
. التربية والتعليم
. الأحوال الشخصية
. مدونة الشغل
.القانون الجنائي
الحاكمية في أنواعها الثلاث موجودة عالميا لدى كل أهل الأرض، وما كان تدرج الرسالات وتطور تاريخها الزمني كما جاء في القصص القرآني إلا تهيئة للنضج الإنساني ليلمع فيه الضمير بنبذ المحرم تلقائيا قبل إتقاء العقاب لأن ذلك مندمج مع فطرة الإنسان.
