الأمازيغ، قصة شعب
بحوثتاريخ


يقدم "الأمازيغ، قصة شعب"، على ندرة المخطوطات والكتب، قراءة مقارنة لما ورد في كتب الإغريق والرومان والأوروبيون في القرون الماضية أو ما كتبه المعاصرون عربا وغيرهم، في دعوة للتعرف على إرث حضاري يمتد لآلاف السنين، استطاع الأمازيغ فيها الحفاظ عليه وإثراءه
ابتدأ التأريخ بالسنة الأمازيغية من سنة 945 ق.م. حين تقلد الأمازيغي شنشق مقاليد الحكم في مصر الفرعونية وأسس لملك الأسرة 22. فسنة 2050 الميلادية ستوافق سنة 3000 أمازيغية.
"إن الشعب الذي تواجد بأرضه منذ ما يزيد عن ٣٣ قرنا وحافظ على لغته وثقافته وعاداته أمام اكتساح فينيقي وإغريقي وفارسي ووندالي وروماني وبيزنطي وعربي وأوروبي، والشعب الذي انحدر منه كلوك وكتاب ورجال دين عظام مثل ماسينيسا وجوبا والقديس أوغسطين والمسرحي أفير والروائي أبوليوس، لا يمكن أن تلصق به كلمة البرابرة ارتباطا بمفهومها القدحي. ومهما يكن من أمر فإننا نعتبر الكلمة قد تطور مفهومها لتدل على شعب أصيل تميز بموضوعيته وواقعيته ونبوغه وتواضعه إلى جانب تمرده والدفاع عن حريته". ص. ٢٢
لا يستطيع كتاب واحد الإلمام المعمق بتاريخ الأمازيغ. غير أن هذا البحث استطاع بلغة مبسطة وغير متعصبة، وفي محاولة للملمة المعلومات عن خاصيات شعب الأمازيغ بين التاريخ والأسطورة، تسليط الضوء على أبرز المحطات التي عرفتها هاته الحضارة والتي أدت مع تعاقب القوى السياسية إلى مجموعة تحولات إثنية. فتوالي عدة حضارات على الشمال الإفريقي طبع الشعب البربري سياسيا ودينيا وثقافيا بسمة الوافدين عليه، مسالمين أو غزاة، كالفينيقيين والإغريق والرومان، والوندال، والقوط، والعرب. إلا أنهم، تمكنوا من الحفاظ على هويتهم وأصالتهم وعدم التنصل أو الانصهار التام، "لإيمانهم الراسخ بأن الثقافة هي أساس الوجود".
"...ثم تأتي مسحة شخصية منا تسعى إلى المزاوجة بين الموضوعية التاريخية والسرد الإبداعي دون استبعاد الأسطورة التي تعد بالنسبة لنا ملح ما احتواه هذا الكتاب، ذلك أننا نثق في كون الأساطير التي سجلها التاريخ أو التي تناقلتها الذاكرة الشعبية لم تأت من فراغ؛ وأنها، اي الأسطورة، كفيلة بالإفصاح عن مكنونات زمن بعيد عنا لا يمكننا التحقق من صدق أحداثه ووقائعه بصورة مطلقة، لكننا في حاجة لاستذكاره" ص. 16
تعني لفظة الأمازيغ "الرجل الحر النبيل"، ومن المؤكد أنه ورغم قدرتهم على التكيف والاندماج وطبعهم المضياف إلا أن نزعتهم للحرية والاستقلال غالبا ما أدت لمواجهات وحروب طويلة مع الغزاة خلدت ذكر ملوك وزعماء منهم من ثار وواجه روما ومن قاوم المد الاستعماري ورغم هزيمتهم ظلوا رمزا للهوية والاستقلال..
كما كانت سنوات الاستقرار فترات تنتعش فيها الثقافة وتبرز مفكرين وروائيين استلهم من فلسفتهم رواد الأدب الأوروبي، أنتجوا بلغة المستوطن وخلفوا آثارا رائعة باللاتينية الرومانية حيث إن اللغة الأمازيغية رغم توفرها منذ قرون على خط يسمى التيفيناغ إلا أنها ظلت كوسيط للتعبير الشفهي والتحاور بالأساس ولم تبرز كلغة عالمية.
"الأمازيغ، كما تظهر ذلك كل أحقاب تاريخهم، متعلقون بالحرية، نزاعون للاستقلال، متطلعون إلى أسباب المنعة والقوة. وقد كانت الحروب فيما قبل مجيء الفينيقيين للتوسع شرقا وجنوبا، واستمر الكفاح في الفترة الممتدة بين مجيء الفينيقيين ودخول الإسلام من أجل صيانة الاستقلال ومدافعة الأجنبي. كان الأمازيغ أقوياء شجعانا لا يقهرهم لا إنس ولا حيوان، كانوا يصارعون الفيلة والسباع والنمور ووحيدي القرن المنتشرة بكثرة في أرض الخصب جنوب البحر الأخضر..." ص. ٨٦
انطلاقا من الأصول واختلاف التسميات إلى السنة الأمازيغية ورموزها المرتبطة بالأرض والطبيعة (التي نسجوا حولها قصصا أسطورية وجعلوا منها جزءا من ثقافتهم) مرورا بالمعتقدات والآلهة وتقصي أخبار الزعماء والملوك والأعلام والأدباء خصوصا ما قبل الفتح الإسلامي، يأخذنا الكاتب والباحث المغربي عبد الله هسوف في جولة غنية لفهم عراقة وجذور هذا الشعب، كمكون أساسي في المنطقة وجزء لا يتجزأ من تاريخ شمال أفريقيا بل وخارجها أيضا؛ لأن "الوقوف على البدايات يكشف الدوافع والغايات، ويمكننا أيضا استجلاء قوة الحدث الذي يميز السابق المحدد لما هو لاحق".
"إن المجال الجغرافي الذي وجد فيه البربر جعلهم يطورون ثقافتهم العقائدية عبر الاحتكاك بثقافات غيرهم، التي لم يتأثروا بها فحسب بل تبنوها وأضافوا إليها مما جعلهم أصحاب ثقافات وحضارات عديدة لا يجب حصرها في جبل أو مغارة أو سهل أو صحراء. إن أمازيغ شمال افريقيا كانوا ومازالوا نقطة لقاء المعتقدات الغربية والشرقية على حد سواء. لقد عرفوا كيف ينحتون ثقافة مغاربية متميزة تمتح من معتقدات متعددة قدمت إليهم من الشرق ومن الشمال ومن الجنوب" ص. ٨٤
قصة الأمازيغ إذن ليست قصة بقاء، بل قصة مرونة واستمرار وازدهار.
