أفعال الأضداد والعبادة

تأملات

2/24/20261 min read

تعرف أفعال الأضداد كظاهرة لغوية دقيقة، شعريا وقرآنيا، يحتمل اللفظ فيها المعنى ونقيضه معا. ويفهم المراد من السياق النظمي للجملة. وتعزى لأسباب منها انتشار القبائل العربية في مناطق عدة وتباين استعمالها للمفردات وحين امتزاجها أخد كل من الآخر معناه مع الحفاظ عليهما.

فقد تطور اللسان العربي من لغة تؤدي وظيفة الاتصال دون الاهتمام بالجمالية إلى مرحلة الإبانة مع نزول القرآن توافقت فيها جماليتها بوظيفتها "لسان عربي مبين"، فصار قادرا على التعبير على أدق المعاني بمفردات غنية.

وبتعرفنا على ظاهرة مدهشة كهذه يمكننا أن نفهم بعض الآيات مثل

{ وَأَمَّا ٱلۡقَـٰسِطُونَ فَكَانُوا۟ لِجَهَنَّمَ حَطَبࣰا }/{ وَیَـٰقَوۡمِ أَوۡفُوا۟ ٱلۡمِكۡیَالَ وَٱلۡمِیزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشۡیَاۤءَهم }

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡرِی نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ }/{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَ ٰ⁠لَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّة }

{ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِیَةٌ أَكَادُ أُخۡفِیهَا }/{ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَاۤ أَخۡفَیۡتُمۡ وَمَاۤ أَعۡلَنتُمۡۚ }

{ ٱلَّذِینَ یَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَیۡهِ رَ ٰ⁠جِعُونَ }/{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱجۡتَنِبُوا۟ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمࣱۖ }

مفهوم العبادة

و من الآية الكريمة { قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَـٰنِ وَلَدࣱ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَـٰبِدِینَ } يمكننا فهم فعل (عبد) كفعل من هاته الفئة. أي أنه إن ثبت أن الرحمن إتخذ ولدا فسأكون أول من يكفر به.

لأن الله ميز في الكتاب بين مفردة العبد الحر (جمع عباد) والعبد المملوك (جمع عبيد) كإنسان مسلوب الحرية لا يمتلك أن يقرر بنفسه.

{ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدࣰا مَّمۡلُوكࣰا لَّا یَقۡدِرُ عَلَىٰ شَیۡءࣲ }

وفي سورة ق نقرأ { رِّزۡقࣰا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡیَیۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةࣰ مَّیۡتࣰاۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ }

فالله ينزل الماء مباركا من السماء لأهل الأرض جميعا، ولا تسثتني "العباد" من لم يؤمن.

{ هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرࣱ وَمِنكُم مُّؤۡمِنࣱۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرٌ }

ومعلوم أن الخلاف بين الرسل والأمم كان دوما ليقروا بألوهية الله لا بربوبيته، وأن يسلموا أنه الله وحده لا شريك له، بإعمال العقل وإحكام الفكر والتحرر من الشهوات وإتباع الباطل، ما ينقل القلب من الغفلة لليقظة.

فالله رب سيدنا محمد ورب أبي لهب ؛ لكنه إله محمد وليس بإله أبي لهب.

{ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّی وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَـٰذَا صِرَ ٰ⁠طࣱ مُّسۡتَقِیمࣱ }

ولا يستعبد الناس وهو الغني، بل يهديهم.

لذلك يناديهم بالعباد ما تميزوا بحرية الاختيار.

{قُلۡ یَـٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ} ؛ أما في حقل التكاليف فجاء الخطاب صريحا للطاعة {وَأَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ}

فإذن يمكن أن نفهم أن غاية الخلق هو تفعيل الحرية، ومن يسلب الناس حريتهم ويهين كرامتهم ينصب نفسه فوق الإله لأن الله تعالى لم يطلب العبودية لذاته

{ وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ * مَاۤ أُرِیدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقࣲ وَمَاۤ أُرِیدُ أَن یُطۡعِمُونِ }

فيطيعون أو يعصون بمحض إرادتهم ؛ ولذلك خلقهم.

{ وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةࣰ وَ ٰ⁠حِدَةࣰۖ وَلَا یَزَالُونَ مُخۡتَلِفِینَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَ ٰ⁠لِكَ خَلَقَهُمۡۗ }

وإلا فما المغزى من الثواب والعقاب وما الغرض من الضلالة والهداية.

العبيد

تكررت لفظة العبيد في خمس آيات فقط ووافقت يوم الحساب، حيث لا يملك المرء لنفسه ساعتئذ نفعا ولا ضرا، مفعول به لا يملك من أمره شيئا، "يساق" الذين اتقوا والذين كفروا على حد سواء زُمَرًا في وصف لانعدام التصرف الحر.

️سورة الكافرون

يذهب القول في تفسير سورة الكافرون إلى أن تكرار الآيات تأكيد ومبالغة ووصف زمني يشمل الماضي والحاضر والمستقبل.

لكن الله حذرنا من معاملة الكتاب كمعاملة الشعر الذي لا يعيبه الحشو (ولا الخيال ولا الترادف).

فعلى ضوء ما رأينا سابقا نجد أن شِقَّي العبادة واضح في السورة حيث كل فريق كافر بإله الآخر متخذا في ذلك موقفا صريحا علنيا مع الثبات على معتقده.

فرسول الله يكفر بآلهة قريش التي تؤمن بها ؛ وهم يكفرون بإلهه. ويؤكد إيمانه بالله الواحد الذي كفروا ولم يؤمنوا به.

Related Stories