{4} دراسة في ثلاثية النصر القرآنية

تأملاتثلاثية النصر

4/14/20251 min read

في المقابل، إيلاف النعم وجحودها أو توظيفها في غير محل الشكر وسبيل الله يوجب غيابها. { فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةࣲ یَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِینَ }. فإذا كان مفتاح النعم هو الرضا، فمفتاح الزيادة والدوام هو الشكر.

تلخص الآية الكريمة { رَبَّنَاۤ أَفۡرِغۡ عَلَیۡنَا صَبۡرࣰا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَـٰفِرِینَ ○ فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ } مشهد النصر بأضلعه الثلاثة. إذ يقترن غالبا ذكر الصبر (أداة) والثبات (سلوك) والنصر (جزاء) مع بعض.

إن في استخدام (افرغ) إشارة قوية للعمق التكويني للإنسان وقلب الإنسان، الذي إن لم يملأ نورا ملئ ظلاما، طمأنينة أو رعبا، تضرعا أو خيفة.ففي إفراغ الصبر تحكم في فراغات النفس لغرض عروج الذات لآفاق جديدة، ويغدو اختبارا عملبا لتقوى الله، يقويها ويتقوى بها :

{ وَإِن تَصۡبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا یَضُرُّكُمۡ كَیۡدُهُمۡ شَیۡـًٔاۗ }

{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱصۡبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ }

{ تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَاۤءِ ٱلۡغَیۡبِ نُوحِیهَاۤ إِلَیۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَاۤ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَـٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَـٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِینَ }

ولما كان حديث (واعلم أن النصر مع الصبر) واضح لا يحتمل التأويل في الأداة، جاء التباين في ماهية الثواب. ففي زمن شوهت فيه القيم بالآنية و المادية، أصبح المرء يؤمن (خطأ) بإنفعالات الله ويشك بقوانينه السارية في كونه (ولن تجد لسنت الله تبديلا). 

و من هنا يعطينا القرآن إجابات وعلامات مختلفة لسؤال واحد : "متى نصر الله"؟

ففي تصديق الرسالة (القضية/التوجه/الصوابية/الخطاب) بعد تكذيبها نصر : { وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلࣱ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰۤ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَاۤءَكَ مِن نَّبَإِی۟ ٱلۡمُرۡسَلِینَ

{وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُوا۟ جَاۤءَهُمۡ نَصۡرُنَا}

{ قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِی بِمَا كَذَّبُونِ }

وفي التأييد بعد الخذلان وقلة الرفيق نصر { فَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ مَعَهُۥۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ }

التثبيث في المعركة نصر: {فَأَیَّدۡنَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ ظَـٰهِرِینَ }/ { یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ یَنصُرۡكُمۡ وَیُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ }

وفي النجاة (بأعجوبة) من براثن الموت المحقق نصر : {وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُوا۟ جَاۤءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّیَ مَن نَّشَاۤءُۖ وَلَا یُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِینَ }

استشعار معية الله و سكينته في أحلك المواقف نصر : { إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا }.

وعليه، فحصر النصر في الجانب المادي فقط، فيه قصور.

وإلا كيف نستوعب ثبات الاستشهادي الذي لن يشهد خاتمة المعركة؟ أو نفهم أن الدم ينتصر دوما على السيف؟

ففي إعلاء الكلمة وإبقاء جذوة الحق مشتعلة ودوام النعمة نصر أيضا. لذلك كانت من غاياته الشكر، يغذيه ويتغذى عليه، ينميه وينمو به : { وَٱذۡكُرُوۤا۟ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِیلࣱ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن یَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَیَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ }

وفي المقابل، إيلاف النعم وجحودها أو توظيفها في غير محل الشكر وسبيل الله يوجب غيابها : { فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةࣲ یَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِینَ }.

فإذا كان مفتاح النعم هو الرضا، فمفتاح الزيادة والدوام هو الشكر.

Related Stories